سنغافورة: على الرغم من تزايد المخاطر السلبية للاقتصاد العالمي، لا سيما تلك الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط، أكدت سنغافورة ثبات توقعاتها لنمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026 عند نطاق 2% إلى 4%. جاء هذا التأكيد مدعومًا بأداء اقتصادي قوي بشكل مفاجئ خلال الربع الأول من العام، والذي عوض عن تباطؤ ملحوظ متوقع في الأشهر المقبلة. أظهرت بيانات وزارة التجارة والصناعة (MTI) نموًا بنسبة 6% على أساس سنوي خلال الفترة من يناير إلى مارس، متجاوزًا بذلك نمو الربع السابق البالغ 5.7%. يشير هذا الأداء إلى مرونة اقتصادية لافتة، لكن الوزارة نبهت إلى أن المخاطر السلبية قد ارتفعت بشكل كبير، وأنها ستواصل مراقبة التطورات عن كثب لإجراء أي تعديلات ضرورية على التوقعات الاقتصادية.
على صعيد النمو الفصلي، سجل الاقتصاد نموًا بنسبة 1% مقارنة بالربع السابق، وهو تباطؤ طفيف عن نسبة 1.3% المسجلة في الربع الأخير من العام الماضي. يعزى هذا النمو القوي بشكل أساسي إلى الأداء المتميز في قطاعات التجارة بالجملة، والتصنيع، والتمويل والتأمين. شهد قطاع التجارة بالجملة ازدهارًا مدفوعًا بالطلب القوي المرتبط بالذكاء الاصطناعي، والذي انعكس إيجابًا على قطاع الآلات والمعدات. وبالمثل، قدم قطاعا الإلكترونيات والهندسة الدقيقة دعمًا كبيرًا في قطاع التصنيع. أما قطاع التمويل والتأمين، فقد شهد نموًا متوازنًا مدعومًا بأداء قوي في قطاعات الخدمات المصرفية، وإدارة الأصول، والتعاملات في الأوراق المالية. ومع ذلك، لم يسلم الاقتصاد من تأثير التوترات الجيوسياسية، حيث ساهم ارتفاع أسعار النفط والغاز والاضطرابات في سلاسل الإمداد، خاصة تلك المتعلقة بالصراع الإيراني، في انكماش قطاعات مثل تداول الوقود والمواد الكيميائية.
المحركات الاقتصادية والتحديات الجيوسياسية
يعكس الأداء الاقتصادي لسنغافورة خلال الربع الأول من العام قوة مرونة قطاعاتها الرئيسية، خاصة تلك المستفيدة من الطفرة التكنولوجية. يبرز دور الذكاء الاصطناعي (AI) كعامل محفز رئيسي، حيث شهدت قطاعات مثل الآلات والمعدات، والإلكترونيات، والهندسة الدقيقة نموًا ملحوظًا بفضل الاستثمارات المتزايدة في هذا المجال. وقد ساهمت هذه العوامل في تعزيز التوقعات الأولية لعام 2026، مما دفع وزارة التجارة والصناعة (MTI) إلى رفع توقعات النمو في فبراير إلى ما بين 2% و 4%، مقارنة بالتوقعات السابقة التي تراوحت بين 1% و 3%. كانت هذه التوقعات مبنية على استمرار الزخم القوي في الاستثمار المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
لكن المشهد الاقتصادي العالمي شهد تحولات جذرية منذ ذلك الحين. أدت التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، وخاصة النزاع الذي أثر على حركة الملاحة في مضيق هرمز، إلى اضطرابات كبيرة في سلاسل الإمداد العالمية، وشمل ذلك إمدادات الطاقة والمواد الخام الأساسية مثل الأسمدة والألمنيوم. ونتيجة لذلك، ارتفعت الأسعار العالمية لهذه السلع بشكل كبير، مما أدى إلى زيادة الضغوط التضخمية على مستوى العالم. بالإضافة إلى ذلك، فإن احتمالية تجدد الإجراءات الحمائية التجارية، مثل فرض الرسوم الجمركية الأمريكية، تزيد من حالة عدم اليقين الاقتصادي وتؤثر سلبًا على الاستثمار والإنفاق في العديد من الاقتصادات.

التحديات الجيوسياسية والمخاطر على المدى المتوسط
مخاطر سلبية كبيرة في الاقتصاد العالمي
بشكل عام، تدهوى توقعات الطلب الخارجي لسنغافورة منذ شهر فبراير. تشير وزارة التجارة والصناعة إلى أن المخاطر السلبية للاقتصاد العالمي قد ارتفعت بشكل ملحوظ. وقد حذرت الوزارة من أن استمرار الاضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية للطاقة والمدخلات الأخرى، الناتجة عن الصراع في الشرق الأوسط، قد يؤدي إلى ارتفاع مستدام في أسعار السلع الأساسية للطاقة وغيرها، مما قد يتسبب في تباطؤ كبير في النمو العالمي. كما أن التصعيد المحتمل في الإجراءات التجارية الأمريكية، مثل فرض الرسوم الجمركية، يمثل خطرًا إضافيًا يهدد الاستثمار والإنفاق العالمي.
علاوة على ذلك، هناك خطر حدوث "انكماش مفاجئ" في الإنفاق الرأسمالي العالمي المرتبط بالذكاء الاصطناعي، وهو ما قد يؤدي إلى تصحيحات حادة في الأسواق المالية العالمية، مع احتمالية امتداد التأثيرات إلى النشاط الاقتصادي الأوسع. ورغم هذه التحديات، من المتوقع أن يظل الإنفاق المستدام المرتبط بالذكاء الاصطناعي محركًا رئيسيًا للنمو في قطاعات التصنيع، لا سيما في مجالات الإلكترونيات والهندسة الدقيقة. ومن المتوقع أيضًا أن يخلق الذكاء الاصطناعي تأثيرات إيجابية متتالية على أجزاء أخرى من الاقتصاد.
على الصعيد القطاعي، تراجع منظور الصناعات الموجهة للخارج وتلك التي تعتمد بشكل مباشر على الغاز الطبيعي والنفط الخام ومدخلات التصنيع منذ اندلاع الحرب. وقد اضطرت العديد من شركات البتروكيماويات والكيماويات المتخصصة إلى إعلان حالة القوة القاهرة. وفي الوقت نفسه، أدى ارتفاع تكاليف الوقود إلى تراجع توقعات الطلب في قطاعات النقل الجوي والبحري ضمن قطاع النقل والتخزين. أما بالنسبة للقطاعات المحلية، فقد أشارت الوزارة إلى أن ضعف معنويات المستهلكين قد يشكل عبئًا على الإنفاق، مما سيؤثر سلبًا على قطاعي تجارة التجزئة والأغذية والمشروبات. ومع ذلك، من المتوقع أن تساعد المدفوعات المبكرة لقسائم التنمية المجتمعية (CDC) التي تم صرفها في يونيو 2026، والتعزيزات المالية ضمن ميزانية 2026، في التخفيف من هذه الآثار.
الأداء القطاعي وتوقعات الخبراء
على الرغم من المخاطر المتزايدة، يرى خبراء اقتصاديون أن سنغافورة في وضع قوي يمكنها من مواجهة هذه التحديات. ويعتقد خوون غوه، رئيس أبحاث آسيا في بنك ANZ، أن الاقتصاد السنغافوري يظهر مرونة ملحوظة في مواجهة الصراع في الشرق الأوسط، وعزا ذلك إلى طفرة الاستثمار في مجال الذكاء الاصطناعي. وأشار إلى أنه لولا هذا الزخم، لكان أداء الاقتصاد السنغافوري أقل قوة. ويعتبر غوه أن أي تراجع حاد في إنفاق الذكاء الاصطناعي يمثل أكبر المخاطر على النمو الاقتصادي الإقليمي. وعلى الرغم من ذلك، يتوقع غوه أن يظل النمو الاقتصادي في سنغافورة ضمن النطاق الأعلى لتوقعات وزارة التجارة والصناعة، نظرًا للبداية القوية جدًا في الربع الأول واستمرار الزخم الإيجابي في الربع الثاني.
أكدت البيانات الرسمية التي صدرت في نفس اليوم نمو الصادرات المحلية غير النفطية في سنغافورة بنسبة 9.6% خلال الربع الأول، مدفوعة بشكل خاص بقطاع الإلكترونيات الذي سجل نموًا بنسبة 57.8%. ونتيجة لذلك، رفعت مؤسسة Enterprise Singapore توقعاتها لنمو الصادرات إلى ما بين 3% و 5%، صعودًا من 2% إلى 4%، مستشهدة بالطلب المستمر المرتبط بالذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، لا تزال المخاطر المتعلقة بالرسوم الجمركية الأمريكية قائمة، حيث تقع سنغافورة ضمن الدول الخاضعة لتحقيقات المادة 301 الأمريكية.
من جانبها، ترى تشوا هان تينغ، كبير الاقتصاديين في بنك DBS، أن سنغافورة تتمتع بموقف اقتصادي قوي، لكن الصدمات الجيوسياسية المتجددة تختبر صمودها. وفي مذكرة بحثية، أشارت DBS إلى استمرار الديناميكيات الإيجابية في القطاعات الرئيسية الموجهة للخارج، لكنها تتوقع أن يكون النمو غير متكافئ وسيواجه تحديات بسبب حالة عدم اليقين الخارجي مع تقدم العام. وأضافت أن الآفاق الاقتصادية في الأرباع القادمة لا تزال مرهونة بالاضطرابات الحادة في مضيق هرمز والمفاوضات غير الحاسمة بين الولايات المتحدة وإيران.
تحليل التأثير
يشير الحفاظ على توقعات النمو لعام 2026 إلى ثقة استراتيجية في قدرة سنغافورة على التكيف مع التحديات العالمية. إن الاعتماد الكبير على قطاعات مدفوعة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يوفر دعمًا قويًا، ولكنه في الوقت نفسه يزيد من حساسية الاقتصاد للصدمات الخارجية المتعلقة بالابتكار والطلب العالمي. المخاطر الجيوسياسية، وخاصة تلك المرتبطة بالشرق الأوسط، تمثل مصدر قلق كبير نظرًا لتأثيرها المحتمل على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد. يتطلب هذا الوضع توازنًا دقيقًا بين الاستفادة من الفرص التكنولوجية وإدارة المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية العالمية. قد تحتاج سنغافورة إلى تعزيز تنويع مصادرها الاقتصادية وتطوير استراتيجيات إضافية للتخفيف من حدة أي اضطرابات مستقبلية.