8 دقيقة قراءة
كيف تستشعر الكلاب حزن أصحابها؟ العلم يكشف الأسرار

كيف تستشعر الكلاب حزن أصحابها؟ العلم يكشف الأسرار

فهرس المحتويات

في الأوقات التي تسود فيها السكون أرجاء المنزل، تظهر الكلاب سلوكاً ملحوظاً وهادئاً. إنها تقترب أكثر لتسند ذقنها على ركبتك، وتراقبك بعينين تحملان انتباهاً يتجاوز مجرد العادة ليشبه فهماً عميقاً. بالنسبة لملايين البشر الذين مروا بفترات من الحزن، العزلة، أو الانسحاب الاجتماعي، لم يكن هذا الرفيق مجرد مصدر راحة، بل كان حضوره أشبه بإحساس بالفهم المتجذر.

لم يعد هذا الشعور مجرد خيال، بل باتت هناك علوم حقيقية تدعم هذه الظاهرة. فقد وجدت الأبحاث التي تدرس العلاقة بين الإنسان والكلب أن الارتباط العاطفي بين الكلاب وأصحابها ليس ثابتاً، بل يتطور ويتغير ويتفاعل مع ما يحدث في العالم الداخلي للإنسان. وعندما يمر البشر بتجارب مثل الشعور بالوحدة، يبدو أن الرابط بينهما وبين كلابهم ينمو ليصبح أقوى، أكثر وعياً، وأعمق نفسياً مقارنة بالأوقات الأخرى.

العلم وراء فهم الكلاب لمشاعرنا

الكلاب تستشعر حالتك العاطفية من خلال الروائح

إن فكرة أن الكلب "يعرف" ببساطة عندما تمر بوقت عصيب ليست مجرد عاطفة، بل لها أساس كيميائي حيوي. أجرت جامعة بريستول دراسة وجدت أن الكلاب قادرة على اكتشاف التوتر من خلال هرمون الكورتيزول الموجود في عرق الإنسان. هذا يعني أن الكلب لا يحتاج لرؤية دموعك أو حتى لتغيير في تعابير وجهك، بل يمكنه قراءة ضيقك عبر شيء دقيق كالرائحة المتطايرة في الجو.

لقد تطورت الكلاب لتكون قادرة على قراءة الإشارات اللفظية والبصرية من أصحابها. وتشير الأبحاث إلى أنها لا تستطيع فقط شم التوتر، الذي يمثله ارتفاع مستويات هرمون الكورتيزول، بل تتفاعل معه عاطفياً أيضاً. هذا التفاعل العاطفي هو ما يفسر التحول السلوكي الذي يلاحظه العديد من أصحاب الكلاب خلال لحظاتهم الأكثر ضعفاً، حيث يقترب الكلب، يصبح أكثر انتباهاً، ويبدو وكأنه "متناغم" مع حالة صاحبه.

تقدم الأبحاث دليلاً على أن الكلاب يمكنها اكتشاف رائحة مرتبطة بالاستجابة النفسية الحادة للتوتر لدى البشر من خلال التنفس والعرق وحدهما. وهذا يوفر أساساً قوياً للأبحاث المستقبلية في مجالات مثل العدوى العاطفية. إن عبارة "العدوى العاطفية" مهمة هنا، فهي تشير إلى أن الكلب لا يكتشف حالتك فحسب، بل يتأثر بها أيضاً. وتشير النتائج إلى أن العمليات الفسيولوجية المرتبطة بالاستجابة النفسية الحادة للتوتر تنتج تغيرات في المركبات العضوية المتطايرة المنبعثة من التنفس والعرق، وهذه التغيرات يمكن للكلاب اكتشافها. يمكن أن يكون لهذه النتائج تطبيقات في مجال الكلاب المساعدة والدعم العاطفي وكلاب علاج اضطراب ما بعد الصدمة.

الوحدة تعزز الرابط بين الإنسان والكلب تحديداً

ليست كل المشاعر الصعبة تعزز الرابط بين الإنسان والكلب بنفس الدرجة. فالوحدة، على وجه الخصوص، يبدو أن لها تأثيراً محدداً وموثقاً جيداً على قوة هذا الارتباط. فقد أشارت دراسات إلى أن الشعور بالوحدة الاجتماعية أو الأسرية ارتبط بزيادة المشاعر السلبية، وأن مستويات أعلى من الوحدة الأسرية أو الرومانسية تنبأت برابط أقوى بين الإنسان والكلب، وهذا بدوره تنبأ بزيادة المشاعر الإيجابية. إنها نمطية ذات مغزى: كلما شعر الشخص بالعزلة عن عائلته أو شريكه، زاد تقربه من كلبه.

لقد عمل الرابط بين الإنسان والكلب كوسيط للعلاقة بين الوحدة الأسرية والمشاعر الإيجابية، وكذلك بين الوحدة الرومانسية والمشاعر الإيجابية. وتشير هذه التأثيرات الوسيطة إلى أن الرابط بين الإنسان والكلب يخفف من الآثار السلبية للوحدة الأسرية والرومانسية على المشاعر الإيجابية. بعبارة أبسط، تمتص الكلاب بعض الضرر العاطفي الذي تسببه الوحدة، فهي لا تقضي عليه تماماً، لكنها تخفف من حدته بطرق يمكن قياسها.

كشفت النتائج أن الرابط بين الإنسان والكلب يعمل كمرساة عاطفية مستقرة، تعزز الاتصال غير المشروط والأمان العاطفي. وأبلغ المشاركون عن تعبير عاطفي أكبر، وزيادة في المشاركة الاجتماعية، وتحسن في التوازن النفسي. اللافت للنظر هنا هو عبارة "غير مشروط". خلال فترات الوحدة، غالباً ما يشعر الناس بأنهم غير مرئيين أو غير مفهومين من قبل المحيطين بهم. وهنا، يقدم الكلب اتصالاً خالياً من المخاطر الاجتماعية التي يمكن أن تحملها العلاقات الإنسانية.

حلقة الأوكسيتوسين: كيف يتغذى التقارب على نفسه

يرجع جزء كبير من التعمق العاطفي الذي يحدث بين الكلاب والبشر الوحيدين إلى عوامل عصبية. فقد وجدت الدراسات أن التفاعل مع الكلب يمكن أن يحفز إطلاق هرمون الأوكسيتوسين في دماغ الإنسان، مما يعزز مشاعر السعادة والثقة والارتباط. وهذا التأثير متبادل، حيث تشهد الكلاب زيادة مماثلة في الأوكسيتوسين عند التفاعل مع رفاقها من البشر. هذه ليست معاملة من طرف واحد؛ فالشخص والكلب يربطان كيميائياً من خلال هذا التفاعل.

إن التواصل البصري المتبادل بين البشر والكلاب، المشابه للتواصل بين الآباء والأطفال الرضع، يحفز إطلاق الأوكسيتوسين، مما يعزز الشعور بالحب والارتباط. وعندما يكون الشخص وحيداً، فإنه يميل إلى البحث عن هذا النوع من التواصل البصري والقرب الجسدي من كلبه. اكتشفت دراسة نشرت في مجلة Science أن التحديق المتبادل بين الكلاب وأصحابها يزيد بشكل كبير من مستويات الأوكسيتوسين لدى الطرفين. وهذا الإطلاق الهرموني لا يعمق الرابط فحسب، بل يخلق أيضاً حلقة تغذية راجعة إيجابية، حيث كلما زاد الوقت المستغرق في التقارب، زادت قوة العلاقة.

لقد ثبت أن التفاعل الجسدي مع الكلاب الأليفة يحفز إطلاق الأوكسيتوسين بطريقة مشابهة للتلامس الجسدي بين شخصين تربطهما رابطة عاطفية. وخلال فترات الوحدة، عندما يقل الاتصال الجسدي مع الأشخاص الآخرين، يصبح هذا الأمر ذا أهمية خاصة. هنا، يحل الكلب محل دور بيوكيميائي كان من المفترض أن يشغله اللمس البشري. وذكر المشاركون الذين يعيشون بمفردهم أو لديهم شبكة اجتماعية أصغر أنهم حصلوا على راحة أكبر من حيواناتهم الأليفة مقارنة بمن يعيشون مع أشخاص أكثر. ويمكن ربط هذه النتيجة بالارتباط بين سهولة الوصول إلى الاتصال الجسدي الودود والشعور بالوحدة.

تغيرات سلوكية لدى الكلاب وليس مجرد حضور سلبي

لا تكتفي الكلاب بالجلوس بالقرب منك عندما تشعر بالوحدة. إنها تقوم بإعادة معايرة سلوكها بنشاط. فهي شديدة الحساسية للمشاعر البشرية والإشارات الاجتماعية، وغالباً ما تتفاعل مع مشاعر الحزن أو العزلة من خلال البحث عن الراحة أو تقديم راحتها الخاصة. وهذه القدرة على التعاطف تنبع من عقلية القطيع لديها وروابطها الاجتماعية العميقة. إن التغييرات السلوكية التي يلاحظها أصحاب الكلاب - مثل اقتراب الكلب، أو اتباعه من غرفة إلى أخرى، أو وضع كفه على ذراعك - هي كلها استجابات هادفة لتغير متصور في البيئة العاطفية.

لقد تطورت الكلاب جنباً إلى جنب مع البشر لآلاف السنين، مطورة طرقاً متطورة لقراءة المزاج والنوايا. وحواسها الحادة في الشم والسمع، إلى جانب قدرتها على تفسير لغة الجسد والأصوات، تسمح لها بالتقاط التحولات العاطفية الدقيقة. تأتي الوحدة، في كثير من الحالات، مصحوبة بأصوات أهدأ، وحركات أبطأ، وتغييرات في الروتين. الكلاب تسجل كل هذه الإشارات. إن استجابتها الارتباطية ليست عشوائية؛ إنها رد فعل معاير لنوع معين من الضيق البشري.

إن حاجة الإنسان إلى الرعاية شديدة لدرجة أنه عندما لا يتم تلبية هذه الحاجة، تزداد حالات الاكتئاب ويتأثر صحة الفرد بشكل عام سلباً. وتسمح القدرة على رعاية كلب بالتعبير عن الحب والمودة، مما يؤدي إلى صحة نفسية وجسدية أفضل. هناك منطق متبادل هنا يستحق التفكير فيه. عندما يشعر شخص بالوحدة، فإن حاجته إلى تقديم المودة لا تُلبى أيضاً. يتلقى الكلب تلك المودة، وبذلك، يمنح الإنسان مكاناً ذا معنى لتوجيهها.

الفروق النفسية الدقيقة: ما تحذر منه الأبحاث بالفعل

العلاقة بين الكلاب ووحدة الإنسان ليست علاجاً بسيطاً، والأبحاث حريصة على قول ذلك. هناك حاجة إلى دراسات مستقبلية تستخدم مناهج أكثر تشابهاً للارتباط بالبشر والحيوانات الأليفة، وتستقصي ما إذا كان الارتباط العاطفي الأقوى بالحيوانات الأليفة يتطور كاستجابة لتجارب الارتباط السلبية، وما إذا كانت هذه الاستراتيجية التعويضية تفيد الصحة النفسية أو تضر بها. ولا يزال سؤال ما إذا كان الاعتماد المفرط على الكلاب للحصول على الدعم العاطفي صحياً في نهاية المطاف قيد الدراسة من قبل الباحثين.

تشير بعض الأبحاث إلى أن الاعتماد المفرط على الحيوانات الأليفة للدعم العاطفي قد يؤدي إلى تفاقم مشاعر الوحدة عن غير قصد عن طريق تسليط الضوء على غياب العلاقات الشخصية. وهذا يتردد صداه مع الأبحاث التي تؤكد قيود الحيوانات الأليفة كبدائل للفوائد النفسية والاجتماعية المتنوعة التي توفرها العلاقات الشخصية. هذا يستحق الاعتراف به بصدق. يمكن للكلب أن يسد الفجوات العاطفية، لكنه لا يستطيع أن يحل محل التعقيد الكامل للاتصال البشري. ولم يكن مصمماً لذلك أبداً.

يمكن أن تؤدي حدائق الكلاب، والفعاليات الاجتماعية المتعلقة بالحيوانات الأليفة، والمحادثات العابرة التي تثيرها رياضة المشي مع الكلاب، إلى صداقات جديدة وإحساس أقوى بالمجتمع. كما أن فعل رعاية الحيوانات الأليفة يستحضر مشاعر التعاطف والرعاية والمسؤولية، مما يمكن أن يوفر شعوراً بالهدف ويعزز الرضا عن الحياة. ربما يكون هذا هو الجانب الأقل تقديراً في ديناميكية الكلب والوحدة. فالكلب لا يقدم الراحة الخاصة فحسب، بل يفتح الأبواب مرة أخرى إلى العالم. أفاد معظم المشاركين الذين يملكون كلباً مرافقاً بأنهم شعروا بوحدة أقل ووجدوا أنه من الأسهل التواجد مع أشخاص آخرين. وقد ارتبط الكلاب المرافقة بزيادات كبيرة في التنشئة الاجتماعية بين المشاركين في الدراسة.

خاتمة جديرة بالتأمل

إن علم الكلاب والوحدة، في جوهره، هو علم ما يعنيه أن تكون "مرئياً" حقاً. ترتبط الفوائد العاطفية للعلاقة بين الإنسان والكلب ارتباطاً وثيقاً بالحاجات الإنسانية الأساسية للتواصل الاجتماعي والانتماء. وفي سياق تزايد الوحدة، وهي ظاهرة توصف بشكل متزايد بأنها وباء حديث في المجتمعات الفردية، أصبحت الكلاب ذات أهمية كموارد للدعم العاطفي والاجتماعي على حد سواء.

ما تخبرنا به علم النفس هو أن الرابط بين الكلب وصاحبه الوحيد ليس مجرد راحة. إنه ارتباط ديناميكي، نشط بيوكيميائياً، ومعقد نفسياً، يتغير ويتعمق على وجه التحديد عندما يحتاج إليه الإنسان أكثر. أظهرت دراسة مجرية شاملة أن أصحاب الكلاب غالباً ما يبلغون عن رضا أكبر ودعم عاطفي من كلابهم مقارنة بمعظم العلاقات البشرية، مع استثناء ملحوظ للعلاقات مع أطفالهم. هذا ليس اكتشافاً صغيراً.

هناك شيء يستحق التقدير في حقيقة أن حيواناً بلا لغة ولا أجندة يمكنه اكتشاف حزن شخص ما، والتحرك نحوه دون تردد، وبذلك، يصبح أكثر ارتباطاً. في عالم يُقاس بشكل متزايد بالاتصال الرقمي والمقاييس الاجتماعية، قد يمثل الكلب الجالس بهدوء بجوار شخص وحيد واحداً من أكثر أشكال الارتباط الموثوقة وغير المشروطة التي لا تزال لدينا. في رأيي، لا نولي اهتماماً كافياً لمدى عمق حمل الكلاب لنا خلال أصعب ساعاتنا، والعلم بالكاد بدأ يفهم ما عرفه أصحاب الكلاب دائماً بهدوء.

الأسئلة الشائعة

هل يمكن للكلاب بالفعل شم رائحة التوتر لدى البشر؟
نعم، أثبتت الدراسات أن الكلاب يمكنها اكتشاف التوتر من خلال هرمون الكورتيزول الموجود في عرق الإنسان ورائحته، مما يمكنها من استشعار حالتك العاطفية دون الحاجة لأي إشارات واضحة.
كيف تؤثر الوحدة على علاقة الإنسان بالكلب؟
تشير الأبحاث إلى أن الشعور بالوحدة، سواء كانت اجتماعية أو أسرية، يعزز من قوة الرابطة بين الإنسان والكلب، حيث يصبح الكلب مصدراً مهماً للدعم العاطفي والأمان غير المشروط.
ما هو دور هرمون الأوكسيتوسين في العلاقة بين الإنسان والكلب؟
التفاعل المتبادل، خاصة التواصل البصري، بين الإنسان والكلب يحفز إطلاق هرمون الأوكسيتوسين لدى الطرفين، مما يعمق مشاعر الحب والثقة والارتباط، ويخلق حلقة تغذية راجعة إيجابية تعزز العلاقة.
هل يمكن للكلاب أن تحل محل العلاقات الإنسانية؟
بينما تقدم الكلاب دعماً عاطفياً قوياً وتخفف من آثار الوحدة، فإن الأبحاث تحذر من الاعتماد المفرط عليها كبديل كامل للعلاقات الإنسانية. العلاقات مع الكلاب تثري الحياة، لكنها لا تلغي الحاجة للتواصل البشري.
يوسف
يوسف حسن

متخصص في عالم السيارات، من أحدث الموديلات إلى مستقبل التنقل.

تعليقات المستخدمين