في خطوة لافتة تعكس التحول المتسارع في قطاع الذكاء الاصطناعي، أعلنت شركة ناشئة تدعى "Recursive Superintelligence" عن تمويل ضخم بقيمة 650 مليون دولار، مع تقييم يصل إلى 4.65 مليار دولار. تأسست الشركة على يد نخبة من الخبراء الذين شغلوا مناصب قيادية في عمالقة التكنولوجيا مثل Meta AI، وGoogle DeepMind، وOpenAI، وSalesforce AI. يقود الشركة ريتشارد سوخر، الرئيس التنفيذي السابق لشركة Salesforce، بالتعاون مع ثمانية مؤسسين آخرين، بمن فيهم يواندونغ تيان، المدير السابق لمختبر الأبحاث الأساسية في Meta AI (FAIR).
تهدف الشركة إلى تحقيق ما كان يُعتبر سابقًا مجرد مفهوم نظري في علوم الكمبيوتر: بناء أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تحسين نفسها بشكل متكرر ومتسارع. يعني ذلك أن النظام لن يحتاج إلى تدخل بشري مستمر لتطويره، بل سيتمكن من اكتشاف المعرفة، وتحسين قدراته، وتطوير ذاته في حلقة مستمرة، محاكيًا بذلك التطور البيولوجي ولكن بوتيرة أسرع بكثير.
فريق الأحلام وراء "التطوير الذاتي"
يقف وراء هذه الشركة الناشئة فريق يمتلك خبرات واسعة وتجارب سابقة في صدارة أبحاث الذكاء الاصطناعي. يضم الفريق شخصيات بارزة مثل ريتشارد سوخر، الذي قاد جهود الذكاء الاصطناعي في Salesforce وأسس محرك البحث You.com. تشمل قائمة المؤسسين أيضاً يواندونغ تيان، الذي كان له دور محوري في أبحاث التعلم المعزز وفهم اللغة في Meta AI؛ وتيم روكتاسشيل، أستاذ الذكاء الاصطناعي في جامعة كوليدج لندن وباحث سابق في Google DeepMind؛ وأليكسي دوسوفتسكي، أحد المؤلفين الرئيسيين لورقة بحثية مؤثرة حول Vision Transformer (ViT) التي غيرت مسار أبحاث الرؤية الحاسوبية؛ بالإضافة إلى جوش توبين من OpenAI، وكايمينغ شيونغ، وتيم شي، وجيف كلون. كما يستعين الفريق بخبرة بيتر نورفيغ، أحد مؤلفي الكتاب المرجعي الأكاديمي الأشهر في مجال الذكاء الاصطناعي. 
إن مشاركة تيان يواندونغ، الباحث الصيني البارز الذي قضى عقدًا من الزمان في Meta FAIR، تعد مؤشرًا قويًا. فقد قاد تيان سابقًا مشروع DarkForest Go، وهو ذكاء اصطناعي للعبة Go اعتمد على الشبكات العصبية التلافيفية قبل ظهور AlphaGo، وكان لاحقًا عالمًا رئيسيًا في مشروع ELF OpenGo. يُنظر إلى انتقاله من Meta إلى تأسيس شركة تسعى لتحقيق طموح الذكاء الاصطناعي الأكثر جرأة كإشارة واضحة: المواهب التي ساهمت في بناء الجيل الحالي من أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتقد الآن أن الجيل القادم قادر على بناء نفسه.
مفهوم "التحسين الذاتي التكراري"
يكمن جوهر هذا المفهوم في فكرة بسيطة نسبيًا لكنها عميقة الأثر: بدلاً من أن يقوم الباحثون البشريون بتصميم كل جيل جديد من الذكاء الاصطناعي، سيقوم النظام نفسه بأتمتة أجزاء من عملية البحث والتطوير الخاصة به. سينتج النظام تحسينات تعمل على تعزيز قدرته على إنتاج المزيد من التحسينات، مما يؤدي إلى دورة تطوير متسارعة. الشركة التي تنجح في تحقيق ذلك أولاً ستتمكن، من الناحية النظرية، من توسيع تفوقها على المنافسين بشكل كبير، حيث ستكون سرعة تطويرها تراكمية وليست خطية.
تخطط Recursive Superintelligence لتنفيذ خارطة طريق مرحلية. تتمثل الخطوة الأولى، وفقًا للمواد التي نشرتها الشركة، في تدريب نظام قادر على العمل بمثابة "50 ألف طبيب" لأتمتة أبحاث الذكاء الاصطناعي العلمية نفسها. بعد ذلك، تخطط الشركة لتشغيل ما تسميه "نظام تدريب مستقل من المستوى الأول"، مع استهداف إطلاق عام للجمهور في منتصف عام 2026. سيتم استخدام جزء من التمويل لضمان الحصول على البنية التحتية الحاسوبية واسعة النطاق المطلوبة لتشغيل هذه التجارب.
سباق محموم نحو المستقبل
لا تعمل Recursive Superintelligence بمعزل عن غيرها في هذا المجال. فقد بدأت مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى بالفعل في استخدام نماذجها الخاصة لتسريع وتيرة الأبحاث. أشارت شركة Anthropic إلى أن الغالبية العظمى من أكوادها البرمجية يتم كتابتها حاليًا بواسطة مساعدها Claude. كما أفادت OpenAI بأن تطوير GPT-5.5 تضمن ابتكار طريقة موازاة عززت سرعات توليد الرموز (tokens) بأكثر من 20%. وقد طورت Google DeepMind نظام AlphaEvolve، وهو وكيل برمجي مصمم للاكتشافات العلمية والخوارزمية. بل إن سيرجي برين، أحد مؤسسي جوجل، وصف داخليًا مكاسب البرمجة بأنها مسار نحو "انطلاق الذكاء الاصطناعي" (AI takeoff).
ما يميز Recursive Superintelligence عن هذه الجهود هو أن أياً من المختبرات الكبرى لم تنظم شركة بأكملها حول مفهوم "التحسين الذاتي التكراري" كأطروحة تجارية أساسية لها. فشركات مثل OpenAI وAnthropic وGoogle DeepMind تستخدم الذكاء الاصطناعي لدعم مساراتها البحثية، لكن أعمالها مبنية على بيع النماذج وإتاحة الوصول عبر واجهات برمجة التطبيقات (APIs). في المقابل، تراهن Recursive على أن حلقة التحسين الذاتي هذه هي المنتج بحد ذاته.
يعتمد نجاح هذه الرهان على سؤال لا يزال مفتوحًا: هل سينتج عن التحسين الذاتي التكراري التسارع الجامح الذي يصفه مؤيدوه، أم أنه سيصل إلى نقطة تناقص العائدات مع كل دورة تحسين جديدة تحقق مكاسب أصغر؟ وقدّر جاك كلارك، أحد مؤسسي Anthropic، احتمالية وجود نظام قادر على تدريب خليفة أقوى له ذاتيًا، دون تدخل بشري، بحلول نهاية عام 2028 بنحو 60%، وبنسبة 30% بحلول عام 2027.
في الوقت الحالي، المؤكد هو القيمة التي وضعها السوق على هذه الإمكانية. فشركة Recursive Superintelligence لا يتجاوز عمرها أربعة أشهر، ويعمل بها أقل من 30 موظفًا، ولم تطلق أي منتج بعد. ورغم ذلك، تُقدر قيمتها بـ 4.65 مليار دولار. في ظل المناخ الحالي للاستثمار في الذكاء الاصطناعي، يبدو أن الوعد بآلة قادرة على تحسين نفسها يستحق ثمنًا أعلى من العديد من الشركات التي قامت بالفعل ببناء آلات متطورة.