في خطوة تعكس الأهمية المتزايدة للذكاء الاصطناعي وتأثيره المتنامي على المجتمع، أعلن الفاتيكان عن إنشاء لجنة جديدة مخصصة لاستكشاف وتنظيم استخدامات هذه التقنية. يأتي هذا القرار في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن الاستخدامات غير المسؤولة للذكاء الاصطناعي، خاصة مع التقارير التي تشير إلى إمكانية تسبب بعض تطبيقاته في أضرار واقعية. يهدف تشكيل هذه اللجنة إلى توحيد جهود الفاتيكان في معالجة التحديات الأخلاقية والاجتماعية التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على القيم الإنسانية والكرامة.
تأتي هذه المبادرة من قبل الكنيسة الكاثوليكية لتؤكد على دورها في توجيه الحوار العالمي حول مستقبل التكنولوجيا. مع تزايد عدد مستخدمي الذكاء الاصطناعي عالميًا، والذي يقدر بما يتراوح بين مليار إلى ملياري شخص، يصبح من الضروري وضع أطر تنظيمية وأخلاقية تضمن الاستخدام الآمن والفعال لهذه التقنية. هذه اللجنة هي الأولى من نوعها التي تنسق جهود الفاتيكان في مجال الذكاء الاصطناعي، وتأتي قبل أيام من إصدار البابا فرنسيس لأول رسالة بابوية حول هذا الموضوع.
الفاتيكان وتشكيل لجنة الذكاء الاصطناعي
أقر البابا ليون الرابع عشر إنشاء لجنة جديدة للذكاء الاصطناعي في الفاتيكان، وهو قرار يعكس اهتمام الكرسي الرسولي المتزايد بهذه التقنية. تأتي هذه اللجنة لتسهيل التعاون وتبادل المعلومات بين الهيئات المختلفة داخل الفاتيكان بشأن أنشطة ومشاريع الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى وضع سياسات لاستخدامه داخل الكرسي الرسولي نفسه. تضم اللجنة ممثلين عن سبع مؤسسات فأتيكانية، بما في ذلك دائرة عقيدة الإيمان، والأكاديمية البابوية للحياة، والأكاديمية البابوية للعلوم.
صرح الكاردينال مايكل تشيرني، عميد دائرة تعزيز التنمية البشرية المتكاملة، بأن اللجنة ستساعد الكوريا الرومانية على "معالجة تحديات الذكاء الاصطناعي داخليًا وللكنيسة جمعاء، وللعالم بأسره". لقد انخرط الفاتيكان في سياسات الذكاء الاصطناعي لأكثر من عقد من الزمان؛ حيث خاطب البابا فرنسيس قمة مجموعة السبع حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في يونيو 2024، وعلى مدى سنوات، التقى ممثلون عن الفاتيكان بمسؤولين تنفيذيين من شركات مثل Google و Microsoft و Cisco لمناقشة أخلاقيات الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، لم تكن هذه الجهود منسقة رسميًا تحت مظلة هيئة واحدة حتى الآن. أصدر الفاتيكان مبادئ توجيهية داخلية للذكاء الاصطناعي سارية المفعول في 1 يناير 2025، قبل انتخاب البابا ليون، تطلبت الكشف عن المحتوى الذي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي، وحظرت استخدام الذكاء الاصطناعي الذي يتعارض مع مهمة الكنيسة، وأنشأت لجنة امتثال داخلية للذكاء الاصطناعي مكونة من خمسة أعضاء.
الرسالة البابوية المنتظرة حول الذكاء الاصطناعي
يأتي إطلاق اللجنة في وقت يترقب فيه العالم أول رسالة بابوية للبابا ليون، والتي من المتوقع أن تتناول الذكاء الاصطناعي من منظور التعاليم الاجتماعية الكاثوليكية، لتشمل حقوق العمال، والعدالة، والكرامة الإنسانية. هذه الوثيقة، التي يُقال إن عنوانها "Magnifica Humanitas" (الإنسانية الرائعة)، ستركز على تأثير الذكاء الاصطناعي على "الأفراد وبيئات العمل".
لقد أقام البابا ليون مقارنة متعمدة بين الوثيقة القادمة ورسالته البابوية "Rerum Novarum"، وهي رسالة بابوية صدرت عام 1891 عن البابا ليون الثالث عشر (الذي استوحى منه اسمه البابوي) وتناولت حقوق العمال خلال الثورة الصناعية. بعد فترة وجيزة من انتخابه في مايو 2025، صرح البابا: "في أيامنا هذه، تقدم الكنيسة للجميع كنوز تعليمها الاجتماعي استجابة لثورة صناعية أخرى وللتطورات في مجال الذكاء الاصطناعي".
رؤية البابا ليون للذكاء الاصطناعي
درس البابا ليون الرابع عشر، المولود روبرت فرانسيس بريفوست، الرياضيات قبل دخوله سلك الكهنوت. في خطابه الأول أمام الكرادلة في مايو 2025، حدد الذكاء الاصطناعي كتحدٍ محوري لبابويته، واصفًا إياه بأنه تهديد لـ "الكرامة الإنسانية والعدالة والعمل".
في أول خطاب إعلامي له في الشهر نفسه، أقر بـ "الإمكانيات الهائلة" للذكاء الاصطناعي، لكنه أكد على ضرورة استخدامه بمسؤولية "لضمان استفادة الجميع منه". في المؤتمر السنوي الثاني لروما حول الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات وحوكمة الشركات في يونيو 2025، حذر من أن الذكاء الاصطناعي "يجب ألا ينسى الكرامة الإنسانية أبدًا" ولا يمكن أن يتدخل في التنمية البشرية السليمة، خاصة بالنسبة للأطفال والشباب.
ثم نصح البابا المراهقين في ذلك العام باستخدام الذكاء الاصطناعي "بطريقة إذا اختفى غدًا، فستظل قادرًا على التفكير"، وحذر جيل زد من الاعتماد المفرط على روبوتات الدردشة. وفي الآونة الأخيرة، في خطاب ألقاه في مايو 2026 بجامعة لا سابينزا في روما، أدان الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والأسلحة عالية التقنية باعتبارها عوامل تدفع العالم نحو "دوامة من الفناء".
تأتي لجنة الذكاء الاصطناعي في خضم نزاع علني متصاعد بين البابا ليون والرئيس دونالد ترامب، وهو نزاع عقد العلاقة بين البيت الأبيض والفاتيكان منذ بداية الحرب الأمريكية في إيران. وقد كان الذكاء الاصطناعي حاضرًا في هذا الخلاف العلني أيضًا؛ حيث نشر حساب ترامب صورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي تصور نفسه في وضعية تشبه المسيح، ثم حذفها.
على عكس الحكومات التي تنظم الذكاء الاصطناعي من خلال أطر قانونية تركز على مخاطر المنتج، والوصول إلى الأسواق، والتنفيذ، يتعامل الفاتيكان مع هذه التكنولوجيا بشكل أساسي من خلال التعليم الأخلاقي الذي يركز على الكرامة الإنسانية والعمل والصالح العام. الاتحاد الأوروبي هو الأقرب مع قانون الذكاء الاصطناعي الخاص به، الذي يحظر بعض الاستخدامات ويفرض غرامات تصل إلى 35 مليون يورو أو 7% من حجم التداول العالمي، بينما تظل الولايات المتحدة منقسمة بين نهج فيدرالي غير منظم وحزمة من الإجراءات على مستوى الولايات.
بهذا المعنى، فإن لجنة البابا الجديدة هي محاولة لمنح الكنيسة صوتًا أكثر تنظيمًا في نقاش عالمي كانت تشكله بالفعل من خلال تحذيرات متكررة بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على العمال والأطفال والكرامة الإنسانية، وليست مجرد جهة تنظيمية.
تحليل التأثير
يمثل إنشاء لجنة الذكاء الاصطناعي في الفاتيكان خطوة استراتيجية تعكس إدراك الكنيسة الكاثوليكية للدور المحوري الذي تلعبه التكنولوجيا الرقمية في تشكيل مستقبل البشرية. من خلال التركيز على الجوانب الأخلاقية والإنسانية، يسعى الفاتيكان إلى توفير بوصلة أخلاقية في عالم يتسارع فيه تطور الذكاء الاصطناعي، بهدف توجيه هذه التقنيات لخدمة الصالح العام وتعزيز كرامة الإنسان. هذا النهج يختلف عن الأساليب التنظيمية التقليدية التي تركز على الجوانب القانونية والاقتصادية، مما قد يوفر منظورًا قيمًا للحوار العالمي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي.