في تحذير شديد اللهجة، أعرب خبراء اقتصاديون عن قلقهم البالغ إزاء المقترحات المتعلقة بالعملات المشفرة التي تطرحها حملة "ريفورم يو كيه" (Reform UK) الانتخابية، معتبرين أنها قد تشكل مخاطر جسيمة على الاقتصاد البريطاني وتلقي بعبء مالي كبير على دافعي الضرائب. وتشمل هذه المقترحات، التي وصفها البعض بأنها "ضرب من الجنون"، إدراج عملة البيتكوين ضمن الاحتياطيات الرسمية للمملكة المتحدة، والسماح بتسديد الضرائب باستخدام العملات المشفرة، وخفض ضريبة أرباح رأس المال على مبيعاتها.
ويرى الخبراء أن هذه السياسات، إن تم تطبيقها، قد تخدم مصالح المستثمرين في العملات المشفرة، بمن فيهم قادة الحزب المتهمون بالاستثمار فيها، ولكنها تمثل "مقامرة" بأموال دافعي الضرائب قد تؤدي إلى تدهور قيمة الجنيه الإسترليني وزيادة معدلات النشاط الإجرامي. وتأتي هذه المخاوف في الوقت الذي يخضع فيه زعيم الحزب، نايجل فاراج، للتحقيق من قبل الجهات الرقابية البرلمانية لعدم إعلانه عن تبرع بقيمة 5 ملايين جنيه إسترليني من مستثمر في العملات المشفرة.
مخاطر إدراج البيتكوين في الاحتياطيات الرسمية
تُعد الاحتياطيات الرسمية للمملكة المتحدة، التي تديرها بنك إنجلترا وتضم العملات الأجنبية والذهب، أداة حيوية لحماية الاقتصاد في أوقات الأزمات. ويؤكد الاقتصاديون أن البيتكوين، بطبيعته شديدة التقلب، غير مناسب إطلاقاً لأن يكون جزءًا من هذه الاحتياطيات. فقد شهدت قيمة البيتكوين تقلبات حادة على مر التاريخ، بما في ذلك انخفاضات وصلت إلى 60%.
يُشار إلى أن الدول والعملات الكبرى مثل الدولار الأمريكي واليورو تُحتفظ بها في الاحتياطيات نظرًا لاستقرار نسبي في قيمتها وقوة الطلب عليها. في حالة حدوث أزمة اقتصادية، يمكن بيع هذه الأصول لدعم قيمة الجنيه الإسترليني. أما إذا انخفضت قيمة الاحتياطيات بسبب الاستثمار في أصول متقلبة مثل البيتكوين، فإن دافعي الضرائب هم من سيتحملون العجز المالي الناتج عن ذلك، مما قد يضر بثقة الأسواق المالية في الاقتصاد البريطاني.
التحديات القانونية والتنظيمية لمدفوعات الضرائب بالعملات المشفرة
تتضمن مقترحات "ريفورم يو كيه" السماح لمصلحة الضرائب والجمارك (HMRC) بقبول مدفوعات الضرائب بالبيتكوين والعملات المشفرة المعتمدة الأخرى، مع احتسابها وفقًا لسعر صرف الجنيه الإسترليني وقت الدفع. ومع ذلك، يثير هذا الاقتراح مخاوف جدية بشأن المخاطر التي قد يتعرض لها الميزان العام للدولة، خاصة إذا انخفضت قيمة العملات المشفرة قبل تحويلها إلى جنيهات إسترلينية. حتى لو تم الاحتفاظ بها كجزء من الاحتياطيات، فإن ذلك قد يخلق فجوة مالية تتطلب سدها عبر زيادة الضرائب أو خفض الإنفاق العام.
علاوة على ذلك، فإن تحويل البيتكوين إلى جنيه إسترليني سيتكبد رسومًا إضافية، مما يقلل من الإيرادات الحكومية. ويرى الخبراء أن هذا التوجه يشجع على الابتعاد عن استخدام العملة الوطنية، ويضر بأرباح بنك إنجلترا، وبالتالي إيرادات الخزانة. والأخطر من ذلك، قد يُفسر هذا كإشارة إلى عدم ثقة الحكومة البريطانية في عملتها المحلية، ويضع المملكة المتحدة في مصاف الدول النامية التي تلجأ إلى العملات المشفرة بسبب ضعف استقرار عملاتها. كما يحذر الخبراء من أن قبول العملات المشفرة في المدفوعات الرسمية قد يفتح الباب أمام غسيل الأموال، نظرًا لصعوبة تتبع المعاملات المشفرة، بالإضافة إلى المخاطر السيبرانية التي قد تتعرض لها الخزانة.
تخفيض ضريبة أرباح رأس المال: مكافأة للمستثمرين أم ضرر بالاقتصاد؟
يُعتبر اقتراح خفض ضريبة أرباح رأس المال على مبيعات العملات المشفرة والأصول الرقمية المبنية على تقنية البلوك تشين، من 18-23% إلى 10%، أمرًا "غير منطقي" و"مثير للسخرية" بحسب الاقتصاديين. ويرون أن هذا الإجراء سيحفز الأفراد على تحويل استثماراتهم نحو العملات المشفرة، مما سيؤدي بلا شك إلى تقليل إيرادات الخزانة. الهدف الأساسي للاقتصاد البريطاني هو تشجيع الاستثمار في الشركات والأصول الإنتاجية المحلية، وتوجيه الاستثمارات نحو البيتكوين يتعارض مع هذا الهدف.
بينما تدعي حملة "ريفورم يو كيه" أن هذا التخفيض سيؤدي إلى زيادة الإيرادات بسبب زيادة المعاملات والامتثال الضريبي، يشكك الخبراء في هذه الادعاءات، مؤكدين أن انخفاض معدل الضريبة قد يعوضه فقط زيادة كبيرة في حجم المعاملات، وهو أمر غير مؤكد. كما أن هذا التمييز الضريبي لصالح العملات المشفرة قد يُنظر إليه على أنه غير عادل تجاه الشركات الأخرى والأفراد الذين لا يملكون أرباحًا من العملات المشفرة، وقد يضع ضغوطًا لخفض ضرائب أرباح رأس المال على جميع الاستثمارات الأخرى.
تضارب المصالح وتأثيره على ثقة الجمهور
يشير الخبراء إلى أن السياسات المقترحة من قبل "ريفورم يو كيه" من شأنها أن تفيد بشكل مباشر المستثمرين في البيتكوين والعملات المشفرة، بما في ذلك كبار المانحين للحزب وزعيمه. فزيادة الطلب على هذه الأصول، مدعومة بخفض الضرائب، سترفع أسعارها. ويثير هذا تساؤلات حول ما إذا كانت هذه السياسات تخدم المصالح العامة أم مصالح أصحاب رؤوس الأموال والمقربين من الحزب. ويُعد تضارب المصالح واضحًا، حيث قد يستفيد نايجل فاراج شخصيًا من هذه المقترحات نظرًا لاستثماراته المعلنة في هذا القطاع.
من جهة أخرى، يرى المؤيدون لمثل هذه المقترحات أن بريطانيا لا يمكنها أن تكون معادية للصناعات الناشئة، وأن عليها أن تقود الاقتصاد المستقبلي بدلًا من التراجع. وتؤكد حملة "ريفورم يو كيه" أن فواتيرها المتعلقة بالعملات المشفرة تمثل أفضل الممارسات الدولية وتتضمن ضمانات قوية ضد إساءة الاستخدام. ومع ذلك، فإن المخاوف بشأن الاستقرار الاقتصادي، ومكافحة غسيل الأموال، والعدالة الضريبية، وتضارب المصالح، تظل قائمة وتتطلب دراسة متأنية قبل أي تبني لمثل هذه السياسات الجريئة.
تحليل الأثر
إن تبني أي من المقترحات المتعلقة بالعملات المشفرة من قبل حزب "ريفورم يو كيه"، إذا وصل إلى السلطة، من شأنه أن يحدث تحولًا كبيرًا في المشهد المالي والاقتصادي للمملكة المتحدة. فمن ناحية، قد يجذب استثمارات جديدة ويشجع الابتكار في قطاع التكنولوجيا المالية. ومن ناحية أخرى، فإن المخاطر المرتبطة بالتقلبات الشديدة، وإمكانية غسيل الأموال، والتأثير المحتمل على قيمة العملة الوطنية، تتطلب إدارة حذرة للغاية. إن أي خطأ في تطبيق هذه السياسات قد تكون له عواقب وخيمة على دافعي الضرائب والاستقرار الاقتصادي العام للبلاد.