مع اقتراب موسم تقديم الإقرارات المالية للمستثمرين من الفئة (13F)، تتيح هذه الفترة فرصة فريدة للاطلاع على الاستراتيجيات الاستثمارية لكبار المليارديرات وكيفية توزيعهم لأصولهم. في هذا السياق، برزت تحركات بارزة لصندوق أبلووسا مانجمنت (Appaloosa Management)، الذي يديره المستثمر الشهير ديفيد تبر، خلال الربع الرابع من العام. يشتهر تبر بتركيزه على عدد محدود من الأسهم، حيث يحتفظ فقط بـ 45 سهماً، إلا أن حركة هذه الأسهم ومدى أهميتها في محافظه الاستثمارية غالباً ما تكون محط أنظار الأسواق.
يدرك تبر جيداً الأهمية المتزايدة لتقنيات الذكاء الاصطناعي وتأثيرها التحويلي على مختلف القطاعات الاقتصادية. وقد تجلى هذا الإدراك في قيامه بزيادة استثماراته بشكل كبير في الأسهم الرائدة ضمن هذا القطاع الواعد. لطالما عُرف تبر بقدرته على اتخاذ رهانات مدروسة وفي الوقت المناسب على الأسهم ذات النمو المرتفع، ويكشف أحدث تقرير له عن زيادة ملحوظة في مراكزه الاستثمارية في شركات بارزة مثل ميتا بلاتفورمز (Meta Platforms)، وألفابت (Alphabet)، ومايكرون تكنولوجي (Micron Technology). ورغم أنه لا ينبغي للمستثمرين تقليد تحركات المليارديرات بشكل أعمى، إلا أن متابعة مسارات تدفق رؤوس الأموال لدى هؤلاء المستثمرين الكبار يمكن أن توفر رؤى قيمة حول الاتجاهات المستقبلية.
الاستثمار في عمالقة التكنولوجيا: ميتا بلاتفورمز
برزت شركة ميتا بلاتفورمز كأحد الأسهم الجاذبة للاهتمام مؤخراً، ويعود ذلك بشكل كبير إلى استثماراتها الضخمة والمتزايدة في تطوير وتوسيع قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي. وقد قام تبر بتعزيز حصته في الشركة بإضافة 230,000 سهم جديد، مما رفع نسبة ملكيته فيها بمقدار 2.04% لتصل إلى 5.72% من إجمالي أسهم الشركة. وتظل ميتا بلاتفورمز ضمن أكبر خمسة استثمارات لصندوق أبلووسا مانجمنت، مما يؤكد الثقة الكبيرة التي يوليها تبر لهذه الشركة.

تعمل ميتا بلاتفورمز حالياً بكامل طاقتها، وقد سجلت إيرادات قوية بلغت 59.89 مليار دولار في الربع الرابع. كما تجاوزت ربحيتها التوقعات، مسجلة ربحاً للسهم قدره 8.88 دولار. تعتمد الشركة بشكل أساسي في إيراداتها على الإعلانات التي تعرض على منصاتها الاجتماعية المتعددة، والتي تشكل مصدر دخل رئيسي. ومن اللافت للنظر أن 58.1 مليار دولار من إجمالي إيرادات الربع جاءت من قطاع الإعلانات. وتخطط الشركة لزيادة إنفاقها الرأسمالي بشكل كبير في عام 2026، حيث تتوقع أن يصل هذا الإنفاق إلى ما بين 115 و135 مليار دولار، وسيتم توجيهه بشكل أساسي نحو البنية التحتية اللازمة لدعم تقنيات الذكاء الاصطناعي.
تواجه أسهم ميتا بلاتفورمز حالياً تراجعاً بنسبة 1.87%، ويتم تداولها بسعر 655.66 دولار، مع عائد توزيعات أرباح يبلغ 0.32%. يراهن تبر على قدرة ميتا على الاستفادة من استثماراتها في الذكاء الاصطناعي ونمو إيراداتها الإعلانية. ومع ذلك، فإن الانخفاض الأخير في سعر السهم يعكس مخاوف السوق بشأن حجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي والمبالغ الطائلة التي تم استثمارها في مشروع الميتافيرس، حيث لا يزال السوق ينتظر تحقيق عوائد ملموسة تتناسب مع هذه الاستثمارات الضخمة.

ألفابت (Alphabet Inc.): توسيع الحصة في عملاق البحث
شهدت حصة تبر في شركة ألفابت، الشركة الأم لجوجل، زيادة كبيرة وملحوظة. فقد قام بشراء 399,431 سهماً إضافياً، مما رفع إجمالي ملكيته إلى 8.10% من محفظته الاستثمارية. كانت حيازته السابقة أقل من 1.4 مليون سهم، لتصل الآن إلى حوالي 1.8 مليون سهم، بزيادة قدرها 28.7% في مراكزه لدى ألفابت.

أعلنت الشركة عن تحقيق إيرادات بلغت 113.83 مليار دولار، مدفوعة بشكل أساسي بنمو خدمة Google Cloud التي شهدت زيادة سنوية بنسبة 48%، محققة إيرادات بلغت 17.7 مليار دولار. هذه هي المرة الأولى التي تتجاوز فيها إيرادات ألفابت السنوية حاجز الـ 400 مليار دولار، وتستهدف الإدارة إنفاقاً رأسمالياً يتراوح بين 175 و185 مليار دولار خلال العام الحالي، مع التركيز المستمر على تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وقد تفوقت ألفابت مؤخراً على شركتي آبل ومايكروسوفت لتصبح الشركة الأكثر ربحية في أمريكا.
تعتبر خدمة Google Cloud بمثابة شريان حياة مالي للشركة، وهي القوة الدافعة الرئيسية وراء نمو الإيرادات. ومن المتوقع أن تشكل هذه الخدمة نسبة أكبر من أرباح الشركة خلال السنوات الخمس إلى العشر القادمة. ومع استمرار نمو هذا القطاع، ستتمكن الشركة من إدارة تكاليفها بفعالية أكبر، مما سينعكس إيجاباً على هوامش الربح.
شهدت أسهم ألفابت أداءً قوياً خلال العام الماضي، حيث ارتفعت بنسبة 73%، ويتم تداولها حالياً بسعر 314 دولاراً. وتعتبر من بين الأسهم الأفضل أداءً ضمن مجموعة "السبعة الرائعة" (Magnificent Seven)، ويُعتقد أن لديها المزيد من الزخم الصعودي.

مايكرون تكنولوجي: رهان على ذاكرة الذكاء الاصطناعي
تُعد مايكرون تكنولوجي استثماراً آخر لافتاً في محفظة تبر. فقد زاد تبر من حيازته من 500,000 سهم إلى 1.5 مليون سهم، مضيفاً 1,000,000 سهم جديد. وتشكل هذه الحصة الآن 6.18% من إجمالي محفظته. يشير هذا التحرك القوي إلى أن تبر يرى إمكانات نمو إضافية للسهم خلال العام الجاري.

شهد سهم مايكرون بالفعل ارتفاعاً هائلاً بنسبة 348% خلال العام الماضي، وبنسبة 35% منذ بداية العام الحالي، ويتداول حالياً بسعر 428.17 دولار. وباعتبارها لاعباً رئيسياً في سوق ذواكر الذكاء الاصطناعي، فإن نقص الرقائق العالمي من المتوقع أن يدفع إيرادات الشركة ونموها إلى مستويات أعلى. وقد تم بيع كامل إنتاج الشركة من معالجات الذاكرة لهذا العام، وتستثمر الشركة حالياً 200 مليار دولار لإنشاء مرافق جديدة لمواكبة الطلب المتزايد.
لقد أصبحت مايكرون المستفيد الأكبر من طفرة الذكاء الاصطناعي، حيث قامت بتسريع خطط توسعة مصانع رقائق الذاكرة (DRAM)، بما في ذلك إنشاء مصنعين جديدين في ولاية أيداهو بتكلفة إجمالية قدرها 50 مليار دولار. علاوة على ذلك، تعمل الشركة على بناء مصنع جديد بقيمة 100 مليار دولار بالقرب من ولاية نيويورك.
بلغت إيرادات الشركة في الربع الرابع 13.64 مليار دولار، وربح السهم 4.78 دولار، متجاوزة بذلك التوقعات. ومن المتوقع أن يصل الإنفاق الرأسمالي للشركة على مراكز البيانات إلى 700 مليار دولار هذا العام. وبينما تتنافس عمالقة التكنولوجيا على الريادة في سباق الذكاء الاصطناعي، تواصل مايكرون تكنولوجي التفوق عليهم. وتشير التوقعات إلى أن هذا الزخم الصعودي قد يستمر خلال العام.
تحليل الأثر
تُظهر تحركات ديفيد تبر استراتيجية واضحة تركز على الاستفادة من موجة الذكاء الاصطناعي التي تجتاح قطاع التكنولوجيا. من خلال زيادة استثماراته في شركات مثل ميتا بلاتفورمز، وألفابت، ومايكرون تكنولوجي، يؤكد تبر على إيمانه بالنمو المستقبلي لهذه الشركات وقدرتها على تحويل الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي إلى عوائد مالية مجدية. يعكس هذا التوجه ثقة المستثمرين الكبار في الإمكانات طويلة الأجل للذكاء الاصطناعي، وتحديداً في الشركات التي تمتلك بنية تحتية قوية وقدرات بحث وتطوير متقدمة. ومع ذلك، فإن الاستثمارات في هذه القطاعات المتقدمة تحمل أيضاً مخاطر مرتبطة بتقلبات السوق، والمنافسة الشديدة، والحاجة المستمرة للابتكار. يمثل تركيز تبر على هذه الشركات مؤشراً قوياً على أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد اتجاه عابر، بل هو محرك أساسي للنمو الاقتصادي المستقبلي، وأن الشركات القادرة على قيادة هذا التحول هي الأوفر حظاً لتحقيق نجاحات استثمارية مستدامة.