يشهد استهلاك الفحم العالمي تركيزًا لافتًا، حيث تتصدر الصين القائمة بفارق شاسع، مستهلكةً ما يعادل 51.7% من الإجمالي العالمي، أي أكثر مما تستهلكه جميع الدول الأخرى مجتمعة. هذه الهيمنة تعكس الدور المحوري للصين كأكبر منتج صناعي في العالم واعتمادها المستمر على الفحم كمصدر رئيسي لتوليد الطاقة، وذلك على الرغم من الاستثمارات المتزايدة في مصادر الطاقة المتجددة.
تُظهر البيانات المجمعة من "التقرير السنوي للطاقة العالمية 2025" أن الدول الست الكبرى في استهلاك الفحم مسؤولة عن 87% من الطلب العالمي، مما يؤكد على تركز الاستهلاك في عدد قليل من الاقتصادات الكبرى. الهند تأتي في المرتبة الثانية بفارق كبير، حيث تستهلك 11.7% من الفحم العالمي، تليها إندونيسيا بنسبة 9.0%.
التوزيع الجغرافي لاستهلاك الفحم
يشير التحليل إلى أن استهلاك الفحم يتوزع بشكل غير متساوٍ عبر الاقتصادات الرئيسية. الصين، بما يقارب 4,780 مليون طن سنويًا، تمثل نصف الاستهلاك العالمي تقريبًا. تتبعها الهند بـ 1,085.1 مليون طن، ثم إندونيسيا بـ 836.1 مليون طن. الولايات المتحدة وأستراليا تساهم كل منهما بحوالي 5% من الطلب العالمي.
ضمن أكبر المستهلكين، نجد أن روسيا تستهلك 427.2 مليون طن (4.6%)، وجنوب أفريقيا 235.0 مليون طن (2.5%). دول أخرى مثل ألمانيا (1.0%)، وتركيا (0.9%)، وبولندا (0.9%)، وكولومبيا (0.6%)، وفيتنام (0.5%)، وكندا (0.5%)، تشكل نسبة أقل من الطلب العالمي، بينما تذهب النسبة المتبقية (5.9%) إلى دول أخرى.
استمرار نمو استهلاك الفحم في بعض المناطق
على الرغم من التوجه العالمي نحو الطاقة النظيفة، فإن الطلب على الفحم لا يزال ينمو في بعض الاقتصادات الناشئة التي تشهد زيادة مستمرة في الطلب على الطاقة. بينما يتراجع الاستهلاك في العديد من الاقتصادات المتقدمة، يبقى الفحم خيارًا حيويًا في المناطق سريعة النمو لتلبية احتياجاتها المتزايدة.
تُظهر البيانات للنمو السنوي بين عامي 2023 و 2024 أن تركيا سجلت أعلى نسبة نمو في استهلاك الفحم بنسبة 16.9%، تليها باكستان بنسبة 9.5%. إندونيسيا والهند شهدتا أيضًا نموًا ملحوظًا بنسبة 7.6% و 7.0% على التوالي. الصين، على الرغم من حجم استهلاكها الهائل، سجلت نموًا طفيفًا بلغ 0.9% فقط.
العوامل المؤثرة في استهلاك الفحم
يعود الاستهلاك المرتفع للفحم في الصين إلى عدة عوامل، أبرزها دورها كمركز صناعي عالمي يتطلب كميات هائلة من الطاقة لتشغيل المصانع والعمليات الإنتاجية. كما أن الاعتماد على الفحم لتوليد الكهرباء لا يزال كبيرًا، مما يدعم استمرار الطلب عليه كمصدر طاقة موثوق ومنخفض التكلفة نسبيًا.
في المقابل، تعتمد دول مثل الهند وإندونيسيا على الفحم لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة لدعم التنمية الاقتصادية وارتفاع مستويات المعيشة. بينما تسعى هذه الدول لتنويع مصادر طاقتها، يظل الفحم لاعبًا أساسيًا في مزيج الطاقة الحالي.
التحول الطاقوي وتحديات المستقبل
يمثل تباين أنماط استهلاك الفحم حول العالم انعكاسًا لسرعة وتيرة التحول الطاقوي غير المتكافئة. فبينما تتقدم الدول الغربية في تقليل اعتمادها على الفحم، تواجه اقتصادات أخرى تحديات أكبر في استبداله بسبب اعتبارات التكلفة، التوفر، والحاجة الماسة لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة.
يُعد فهم توزيع استهلاك الفحم أمرًا حيويًا لتقييم الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ وتحديد المناطق التي تتطلب دعمًا أكبر في انتقالها نحو مصادر طاقة أكثر استدامة.
تحليل التأثير
يؤكد تركز استهلاك الفحم العالمي في عدد قليل من الدول، وبشكل خاص الصين، على أهمية هذه الدول في أي جهد عالمي للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. إن أي تغييرات في سياسات الطاقة أو استراتيجيات الاستهلاك لهذه الدول سيكون لها تأثير مباشر وكبير على الأهداف البيئية العالمية.
كما أن استمرار نمو استهلاك الفحم في بعض الاقتصادات الناشئة يسلط الضوء على الحاجة إلى آليات تمويل ودعم دولية لتسهيل انتقالها إلى مصادر طاقة أنظف، مما يضمن تحقيق توازن بين التنمية الاقتصادية والاستدامة البيئية.