في ظل التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، يتزايد النقاش حول تأثير هذه التقنيات على مختلف القطاعات، ومن أبرزها قطاع الأمن السيبراني. في هذا السياق، أدلى ديفيد ساكس، المستثمر ورائد الأعمال الشهير وعضو مجلس مستشاري العلوم والتكنولوجيا بالولايات المتحدة، بتصريحات مهمة حول الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في حماية الأنظمة الرقمية.
أكد ساكس أن نماذج الذكاء الاصطناعي ليست "أجهزة نهاية العالم"، بل هي أدوات ستعمل على إعادة تشكيل كل من الهجوم والدفاع السيبراني. جاءت تصريحاته هذه ردًا على ما نشره معهد أمن الذكاء الاصطناعي حول نجاح نموذج GPT-5.5 من OpenAI في اجتياز محاكاة هجوم سيبراني متكامل الخطوات، ليصبح ثاني نموذج يحقق هذا الإنجاز.
الذكاء الاصطناعي كأداة لا كسلاح
شدد ساكس على ضرورة "تبديد الأساطير" المحيطة بهذه النماذج، موضحًا أن "Mythos" (النموذج الأول الذي حقق الإنجاز) ليس سحرًا أو جهازًا مدمرًا. ووصفه بأنه "أول نموذج من بين العديد من النماذج القادرة على أتمتة المهام السيبرانية، تمامًا مثل البرمجة". وأضاف أن نموذج GPT-5.5-cyber من OpenAI بات قادرًا على القيام بنفس الشيء، وأن "جميع النماذج المتطورة (بما في ذلك تلك القادمة من الصين) ستصل إلى هذا المستوى خلال 6 أشهر تقريبًا".
كان الاهتمام الأولي بهذه التقنيات يثير مخاوف من إمكانية إساءة استخدامها في شن هجمات سيبرانية متطورة. إلا أن ساكس يرى أن هذه النماذج لا تخلق نقاط ضعف جديدة، بل تكتشف الثغرات الموجودة بالفعل في الأكواد البرمجية. وتابع قائلًا: "الأخطاء موجودة بالفعل في الكود. استخدام الذكاء الاصطناعي لاكتشافها وتصحيحها سيؤدي فعليًا إلى تقوية هذه الأنظمة".
دورة ترقية شاملة للأمن السيبراني
توقع ساكس أن يؤدي التحول من مرحلة الأمن السيبراني ما قبل الذكاء الاصطناعي إلى ما بعده إلى "دورة ترقية شاملة". وبعد هذه الدورة، من المرجح أن يستقر السوق عند توازن جديد بين الهجوم والدفاع السيبراني المدعومين بالذكاء الاصطناعي. ويرى أن هذه العملية ضرورية لتطوير البنية التحتية الرقمية وجعلها أكثر صلابة في مواجهة التهديدات المتزايدة.
أشار إلى أن هذا التطور يمثل فرصة لتعزيز القدرات الدفاعية بشكل كبير. فمن خلال اكتشاف الثغرات بشكل أسرع وأكثر كفاءة، يمكن للشركات والمؤسسات إصلاحها قبل أن يتمكن المهاجمون من استغلالها. وهذا يعزز من مفهوم "الدفاع الاستباقي" في عالم الأمن السيبراني.
أهمية وصول المدافعين إلى النماذج أولاً
أكد ساكس على الأهمية القصوى لضمان حصول المدافعين السيبرانيين على هذه النماذج قبل المهاجمين. وأوضح أن هذه العملية بدأت بالفعل، لكنها تتطلب تسريعًا نظرًا لوتيرة التطور السريعة في الصين ودول أخرى. وأشار إلى أن نموذج GPT-5.5-cyber، على عكس النماذج السابقة، "يبدو أنه غير مقيد بالرموز (token constrained)، وبالتالي قد يكون أول نموذج سيبراني يمكن للمدافعين استخدامه بالفعل"، مما يمنحهم ميزة تنافسية حاسمة.
يعكس هذا التصريح قلقًا مشروعًا لدى الخبراء الأمنيين حول السباق المحتمل بين المهاجمين والمدافعين لاستخدام أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي. وتعتبر الشفافية والتعاون الدولي أمرًا ضروريًا لضمان استخدام هذه الأدوات بشكل مسؤول وعدم السماح بانتشارها في الأيدي الخطأ.
تأثير ساكس وخبراته في وادي السيليكون
يعتبر ديفيد ساكس شخصية بارزة في عالم التكنولوجيا والاستثمار في وادي السيليكون. هو أحد مؤسسي شركة PayPal، وشغل سابقًا منصب الرئيس التنفيذي للعمليات المؤسس لشركة Yammer، التي استحوذت عليها Microsoft مقابل 1.2 مليار دولار في عام 2012. في دوره الحالي، يقدم ساكس استشارات حول السياسات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، والعملات المشفرة، والأصول الرقمية.
خبرته الواسعة في تأسيس وتطوير شركات تكنولوجية ناجحة، وفهمه العميق لديناميكيات السوق، تمنحه منظورًا فريدًا حول كيفية تأثير التقنيات الجديدة مثل الذكاء الاصططناعي على الصناعات المختلفة. تصريحاته ليست مجرد آراء، بل هي رؤى مستنيرة تستند إلى سنوات من الخبرة العملية والتفاعلات مع كبار اللاعبين في مجال التكنولوجيا.
الخلاصة: مستقبل الأمن السيبراني مدعوم بالذكاء الاصطناعي
يشير كلام ساكس والتقارير حول قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة إلى أن مستقبل الأمن السيبراني سيكون مختلفًا تمامًا عما نعرفه اليوم. فبدلاً من اعتباره تهديدًا مباشرًا، يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي كشريك أساسي في بناء دفاعات أقوى وأكثر فعالية.
يظل التحدي الرئيسي هو ضمان أن التطورات الإيجابية في هذا المجال تتجاوز التقدم في القدرات الهجومية. ويتطلب ذلك استثمارًا مستمرًا في البحث والتطوير، وتعاونًا وثيقًا بين القطاعين العام والخاص، ووضع أطر تنظيمية تضمن الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه التقنيات القوية. مع تسارع وتيرة التطور، ستكون الأشهر القادمة حاسمة في تشكيل المشهد الجديد للأمن السيبراني العالمي.