يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي تصاعدًا في التوترات بين الشركات المطورة والجهات الحكومية، وتحديدًا بين شركة أنثروبيك (Anthropic) ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون). فبعد أشهر من المفاوضات، تواجه أنثروبيك مهلة زمنية وشيكة لتوفير وصول غير مقيد لتقنياتها العسكرية، أو مواجهة خطر الإدراج ضمن قائمة "مخاطر سلسلة التوريد"، وهو تصنيف يهدد بعزلها عن العقود الحكومية.
يأتي هذا التصعيد في ظل نقاش أوسع حول الجهة المخولة بتحديد شروط استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ هل هي الشركات المطورة التي تضع مبادئ السلامة والأخلاق، أم الحكومات التي تسعى لتطبيقها في مهامها الأمنية والدفاعية؟ تمنح هذه الخلافات بعدًا جديدًا للسباق نحو تطوير الذكاء الاصطناعي، وتضع مستقبل التعاون بين القطاع الخاص والعسكري على المحك.
التوترات المتصاعدة بين أنثروبيك والبنتاغون
مهلة صارمة وتهديدات بالعقوبات
تلقت شركة أنثروبيك، الرائدة في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، إنذارًا نهائيًا من وزارة الدفاع الأمريكية. تمنح هذه المهلة، التي تنتهي قريبًا، الشركة خيارين: إما منح البنتاغون وصولًا كاملاً وغير مقيد إلى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، أو مواجهة احتمال إدراجها ضمن "مخاطر سلسلة التوريد". هذا التصنيف، الذي يُطبق عادةً على الشركات ذات الأصول الأجنبية المعادية مثل هواوي، قد يجبر المقاولين العسكريين على قطع علاقاتهم مع أنثروبيك.
في تصريحات لافتة، لم يتردد وزير الدفاع الأمريكي في التحذير من أن "ذكاء وزارة الحرب لن يكون "مستيقظًا" (woke)، بل سيعمل من أجلنا. نحن نبني أسلحة وأنظمة جاهزة للحرب، وليس روبوتات محادثة لصالات كليات "آيفي ليغ"". هذه التصريحات تعكس رؤية الإدارة الأمريكية التي تنتقد ما تعتبره قيودًا أيديولوجية مفروضة على أنظمة الذكاء الاصطناعي.
المفاوضات الشهرية والتنازلات المحتملة
استمرت المفاوضات بين الطرفين لعدة أشهر، تركزت حول كيفية استخدام الجيش لتقنيات الذكاء الاصطناعي التي تطورها الشركة. أكدت أنثروبيك أنها تجري "محادثات بحسن نية" مع البنتاغون، مع التأكيد على دعم "المهمة الأمنية القومية للحكومة بما يتماشى مع ما يمكن لنماذجنا القيام به بشكل موثوق ومسؤول".
يُشار إلى أن هذا الخلاف يأتي في وقت تسعى فيه الشركات الأخرى، مثل xAI التابعة لإيلون ماسك، إلى عقد اتفاقيات مع البنتاغون لاستخدام تقنياتها في أنظمة سرية، مما يفتح الباب أمام منافسة شديدة لأنثروبيك التي كانت سابقًا الشريك الوحيد المعتمد للبنتاغون في هذا المجال.
تغييرات في سياسات السلامة والمسؤولية
تحديث سياسة التوسع المسؤول (RSP)
في خطوة قد تشير إلى مرونة متزايدة، أعلنت أنثروبيك مؤخرًا عن تحديث لسياسة التوسع المسؤول (RSP) الخاصة بها، والتي نُشرت لأول مرة في سبتمبر 2023. بررت الشركة هذه التغييرات بأنها جاءت استجابة لتطورات السوق، حيث أصبح "التركيز ينصب على تنافسية الذكاء الاصطناعي والنمو الاقتصادي، بينما لم تحظ النقاشات الموجهة نحو السلامة بالزخم الكافي على المستوى الفيدرالي".
هذه التغييرات أثارت تساؤلات حول إمكانية تخفيف أنثروبيك لالتزاماتها الصارمة تجاه السلامة. الرئيس التنفيذي للشركة، داريو أموداي، أشار سابقًا إلى "ضغوط تجارية" تواجهها الشركة، وأن إجراءاتها الصارمة للسلامة حدت من قدرتها على التنافس مع منافسين يعملون بقواعد أقل صرامة.
الدوافع وراء تعديل السياسات
من جانب آخر، يرى علماء ومسؤولون في أنثروبيك أن التعديلات على سياسة التوسع المسؤول لم تكن مدفوعة بالضغوط التنافسية فقط، بل كانت هناك اعتبارات تتعلق بالسلامة أيضًا. صرح كبير مسؤولي العلوم في الشركة، جاريد كابلان، بأن التوقف عن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي لن يفيد أحدًا. وأضاف أن الشركة لا ترى جدوى من الالتزام بوعود أحادية الجانب في ظل التقدم السريع الذي يحرزه المنافسون.
وقد استُخدمت نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بأنثروبيك، مثل Claude، في عمليات عسكرية، بما في ذلك العملية التي أدت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، وذلك عبر شراكة مع شركة Palantir. هذا الاستخدام أثار نقاشات داخلية حول كيفية تطبيق هذه التقنيات في سياقات عسكرية حساسة.
تأثير النزاع على مستقبل الذكاء الاصطناعي
الموازنة بين الابتكار والمسؤولية
يمثل الصراع الدائر بين أنثروبيك والبنتاغون نموذجًا للتحديات التي تواجه صناعة الذكاء الاصطناعي. فمن جهة، تسعى الشركات إلى دفع حدود الابتكار وتحقيق النمو الاقتصادي، ومن جهة أخرى، تضع الجهات الحكومية متطلبات لضمان الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه التقنيات، خاصة في مجالات حساسة كالدفاع والأمن القومي.
إن كيفية حسم هذا النزاع ستكون له تداعيات عميقة على مستقبل تطوير ونشر الذكاء الاصطناعي، وستحدد ما إذا كانت الشركات ستتمكن من الحفاظ على مبادئها الأخلاقية أم ستخضع للضغوط الحكومية، وكيف ستتمكن الدول من الاستفادة من هذه التقنيات مع ضمان عدم إساءة استخدامها.