تتجه الأنظار بشكل متزايد نحو علاقة محتملة بين لقاح جدري الماء النطاقي (الحزام الناري) والوقاية من مرض الخرف، وذلك بناءً على سلسلة من الدراسات الحديثة التي تشير إلى فوائد غير متوقعة لهذا اللقاح. على الرغم من أن اللقاح مصمم أساساً لمكافحة فيروس فاريسيلا زوستر، المسبب لجدري الماء والحزام الناري، إلا أن الأبحاث الأولية تكشف عن إمكانية تقليل خطر الإصابة بالخرف بشكل ملحوظ لدى الأشخاص الذين يتلقونه. هذه النتائج، التي بدأت تظهر بشكل لافت في السنوات الأخيرة، تدفعنا إلى استكشاف الأبعاد العلمية لهذه الظاهرة المثيرة للاهتمام.
بدأت هذه الاكتشافات تتشكل في أعقاب تطبيق برامج التطعيم الشاملة. ففي دراسة نشرت في مجلة JAMA، تابع الباحثون أكثر من 18,000 شخص من كبار السن في أستراليا بعد إطلاق لقاح Zostavax في نوفمبر 2016. وكشفت المتابعة التي استمرت 7.4 سنوات عن انخفاض في معدل تشخيص الخرف لدى الأشخاص المؤهلين للحصول على الجرعة المجانية مقارنة بمن لم يكونوا مؤهلين. وقد لوحظ انخفاض بنسبة 1.8% في تشخيص الخرف لدى المجموعة المؤهلة.
التأثير الوقائي للقاحات جدري الماء النطاقي
دراسات متعددة تؤكد الارتباط
تزامنت هذه النتائج مع دراسة أخرى، نشرت في مجلة The Lancet Neurology، أشارت إلى انخفاض مماثل في معدلات الإصابة بالخرف في كندا بعد طرح اللقاح هناك. هذه الظواهر الطبيعية، التي تسمح بمراقبة آثار اللقاح على مجموعات سكانية واسعة، بدأت ترسم صورة واعدة. ومع ذلك، لم تحظ هذه الاكتشافات بالاهتمام الرسمي المتوقع، على الرغم من أن أي تدخل طبي يقلل من خطر الإصابة بالخرف بنسبة 20% يعتبر إنجازاً كبيراً.
كانت هذه الاكتشافات الأولية، المبنية على لقاح Zostavax الأقدم، مجرد بداية. فالبيانات الأحدث حول لقاح Shingrix، الذي يعد أكثر فعالية بكثير ضد الحزام الناري، تشير إلى أن التأثير الوقائي ضد الخرف قد يكون أكبر. في عام 2024، أظهرت دراسة طبيعية أجريت على أكثر من 200,000 شخص في الولايات المتحدة، ونشرت في Nature Medicine، أن التطعيم بـ Shingrix ارتبط بزيادة بنسبة 17% في الوقت الخالي من الخرف مقارنة بـ Zostavax.
لقاح Shingrix: فعالية متزايدة
المزيد من الدراسات المعمقة عززت هذه الرؤى. فقد قارنت دراسة حديثة نشرت في Nature Communications معدلات الإصابة بالخرف لدى ما يقرب من 66,000 شخص تلقوا لقاح Shingrix، مع أكثر من 260,000 شخص غير مطعمين تمت مطابقتهم. وقد وجدت هذه الدراسة أن المجموعة التي تلقت اللقاح عانت من انخفاض بنسبة 51% في خطر الإصابة بالخرف مقارنة بالمجموعة غير المطعمين. هذه النتائج تدعم بقوة فكرة أن اللقاحات الحديثة يمكن أن تلعب دوراً حاسماً في استراتيجيات الوقاية من الأمراض التنكسية العصبية.
لا تزال الآليات الدقيقة التي يقي بها اللقاح من الخرف غير مفهومة بالكامل. ومع ذلك، يرجح العديد من الخبراء أن تحفيز الاستجابات المناعية القوية ضد فيروس فاريسيلا زوستر، ومنع إعادة تنشيطه، قد يقلل من الالتهابات المزمنة في الدماغ، والتي يُعتقد أنها تساهم في تطور أمراض الخرف. هذا الفرضية تفتح الباب أمام فهم أعمق للعلاقة بين الالتهابات والجهاز المناعي وصحة الدماغ.
أسئلة عالقة وآفاق مستقبلية
فهم الآلية البيولوجية
يبقى السؤال الأساسي هو كيف يحدث هذا التأثير الوقائي. تفترض النظرية السائدة أن فيروس فاريسيلا زوستر، بعد الإصابة الأولية بجدري الماء، يبقى خامداً في الجسم ويمكن أن يعاد تنشيطه لاحقاً مسبباً الحزام الناري. الأبحاث تشير إلى أن هذا الفيروس، حتى في حالته الخاملة أو عند إعادة تنشيطه، قد يثير استجابات التهابية في الجهاز العصبي المركزي. هذه الالتهابات المزمنة يمكن أن تلحق الضرر بالخلايا العصبية وتساهم في تطور الخرف على المدى الطويل.
من خلال تعزيز المناعة ضد هذا الفيروس، قد يمنع اللقاح بشكل فعال إعادة تنشيطه أو يقلل من حدة العدوى، وبالتالي يحد من الاستجابة الالتهابية الضارة في الدماغ. هذا النهج الوقائي، إذا ثبت علمياً بشكل قاطع، قد يغير قواعد اللعبة في معركتنا ضد الخرف، الذي يؤثر على ملايين الأشخاص حول العالم.
الحاجة إلى مزيد من البحث
على الرغم من النتائج الواعدة، لا يزال الباحثون يؤكدون على الحاجة إلى مزيد من الدراسات لتأكيد هذه العلاقة وتوضيح الآليات البيولوجية بدقة. من الضروري إجراء تجارب سريرية عشوائية ومنضبطة، ومراقبة طويلة الأمد لتقييم الفعالية والأمان على نطاق أوسع. كما أن فهم ما إذا كانت هذه الفائدة تنطبق على جميع أنواع الخرف، أو أنواع معينة منه، هو أمر بالغ الأهمية.
إن استكشاف العلاقة بين اللقاحات والأمراض التنكسية العصبية يمثل مجالاً بحثياً ناشئاً يحمل آمالاً كبيرة. ومع تزايد الأدلة، يبدو أن لقاح جدري الماء النطاقي، وخصوصاً الجيل الجديد منه مثل Shingrix، قد يقدم أكثر من مجرد حماية ضد الحزام الناري، ليصبح أداة محتملة في معركة عالمية ضد أحد أكثر الأمراض إرهاقاً في عصرنا.
Impact Analysis
تفتح هذه الاكتشافات الباب أمام تحول كبير في استراتيجيات الوقاية من الأمراض العصبية التنكسية. إذا أثبتت الدراسات المستقبلية أن لقاح الحزام الناري، وخاصة Shingrix، له تأثير وقائي كبير ضد الخرف، فقد يتم إعادة تقييم توصيات التطعيم على نطاق واسع. قد يشمل ذلك توسيع نطاق الفئات العمرية المؤهلة للحصول على اللقاح، أو إدراج اللقاح كجزء أساسي من برامج الصحة العامة للوقاية من الخرف. هذا بدوره يمكن أن يخفف العبء الهائل الذي تشكله أمراض الخرف على الأفراد والأسر وأنظمة الرعاية الصحية عالمياً، بالإضافة إلى فتح آفاق جديدة لأبحاث اللقاحات في مجال الأمراض العصبية.