يشهد قطاع التكنولوجيا المالية في العراق، بحلول عام 2026، تحولاً تدريجياً مدفوعاً بالحاجة الملحة لإعادة الإعمار، وتعزيز الشمول المالي، وتحديث البنية التحتية الاقتصادية. في بلد لا تزال آثاره للصراعات والاعتماد شبه الكلي على عائدات النفط واضحة، تبرز الخدمات المالية الرقمية كمسار عملي نحو تحقيق الاستقرار الاقتصادي والتنمية المستدامة. يعتمد الاقتصاد العراقي بشكل أساسي على الهيدروكربونات، حيث تشكل عائدات النفط أكثر من 90% من إيرادات الحكومة وقيمة الصادرات. وعلى الرغم من أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد يقارب 6,500 دولار، مما يعكس ثروة الموارد، إلا أنه يكشف أيضاً عن تفاوتات تنموية واسعة وارتفاع معدلات البطالة، مما يزيد من أهمية التحول الرقمي.
تسعى الحكومة العراقية جاهدة لتنويع مصادر دخلها وتقليل الاعتماد على النفط، وذلك من خلال إعطاء أولوية متزايدة للبنية التحتية الرقمية والشمول المالي كجزء لا يتجزأ من أجندة التنمية الوطنية. تركز الجهود على توسيع نطاق خدمات الاتصالات والإنترنت، ورقمنه المدفوعات والخدمات الحكومية، وتشجيع القطاع الخاص على المشاركة في تطوير حلول التكنولوجيا المالية. وقد ساهمت هذه السياسات في رفع نسبة اختراق الإنترنت إلى حوالي 75%، وتجاوز معدل انتشار الهواتف المحمولة 90%، مما يوفر أرضية صلبة لنمو الخدمات الرقمية. بالإضافة إلى ذلك، تدعم المؤسسات الدولية، مثل البنك الدولي، جهود الرقمنة كوسيلة لتحسين الحوكمة، ومكافحة الفساد، وتعزيز المشاركة الاقتصادية.
النظام المالي الرقمي: إعادة بناء الثقة والتوسع
البنية التحتية للقطاع المالي والتحول الرقمي
يتركز النشاط المالي الرئيسي في بغداد، حيث تتواجد سلطة المصرف المركزي العراقي والمؤسسات المالية الكبرى. يسيطر القطاع المصرفي، الذي يمثل حوالي 85% من إجمالي الأصول، على المؤسسات المملوكة للدولة، أبرزها مصرف الرافدين، ومصرف الرشيد، والمصرف التجاري العراقي. تاريخياً، عانى النظام المالي في العراق من ضعف البنية التحتية، والاعتماد الكبير على المعاملات النقدية، وانخفاض الثقة في المؤسسات، وانتشار القطاع غير الرسمي. إلا أن الخدمات المالية الرقمية بدأت تشكل نقطة تحول في هذا القطاع. تشهد محافظ الهاتف المحمول، وأنظمة الدفع الإلكتروني، والمعاملات باستخدام البطاقات، نمواً ملحوظاً، مدعومة بالبنوك ومقدمي خدمات التكنولوجيا المالية. تسارعت هذه وتيرة هذا التحول بفضل الجهود الحكومية نحو رقمنة دفع الرواتب وتقليل الاعتماد على النقد.
لعب المصرف المركزي العراقي دوراً محورياً في قيادة هذا الانتقال خلال السنوات القليلة الماضية. وتشمل مبادراته الرئيسية توسيع نطاق أنظمة الدفع الإلكتروني، وتشجيع استخدام نقاط البيع والمحافظ الرقمية لتقليل الاعتماد على النقد. كما تم التركيز على برامج رقمنة دفع الرواتب والمعاشات الحكومية، مما يعزز الشفافية ويشجع على استخدام الخدمات المصرفية. علاوة على ذلك، عزز المصرف المركزي من آليات الترخيص والإشراف على شركات الدفع الإلكتروني، مما خلق بيئة أكثر تنظيماً لقطاع التكنولوجيا المالية. وفي سياق متصل، تواصل الحكومة العراقية تنفيذ استراتيجيتها الوطنية للشمول المالي، مع التركيز على توسيع الوصول إلى الخدمات المصرفية والدفع الرقمي. ورغم أن استكشاف نماذج مثل الخدمات المصرفية المفتوحة والأطر الرقمية لا يزال في مراحله المبكرة، إلا أن هناك اهتماماً متزايداً بمناقشة أطر مشاركة البيانات وقابلية التشغيل البيني مع نضوج النظام البيئي.
الشمول المالي والتكنولوجيا المالية في العراق
لا يزال معدل الشمول المالي في العراق منخفضاً نسبياً، حيث تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن حوالي 30% فقط من البالغين يمتلكون حساباً مصرفياً رسمياً، مما يجعله من بين أقل المعدلات في المنطقة. ومع ذلك، بدأت الخدمات المالية الرقمية تلعب دوراً متزايداً في توسيع نطاق الوصول، خاصة من خلال محافظ الهاتف المحمول، ورقمنة المدفوعات الحكومية، وشبكات الوكلاء المصرفيين ونقاط البيع.
تواجه عملية الشمول المالي تحديات مستمرة، منها محدودية البنية التحتية المصرفية، وانعدام الثقة في المؤسسات المالية، وارتفاع معدلات الاستخدام النقدي والقطاع غير الرسمي. تساعد التكنولوجيا المالية في معالجة هذه التحديات من خلال توفير قنوات دخول ميسورة التكلفة ويمكن الوصول إليها للنظام المالي، وخاصة للفئات الشابة والسكان الحضريين. على الرغم من أن النظام البيئي للتكنولوجيا المالية في العراق لا يزال صغيراً، إلا أنه يتوسع تدريجياً، ويضم حالياً حوالي 50 شركة عاملة في مجال التكنولوجيا المالية وخدمات الدفع الرقمي، تتركز معظمها في قطاعات الدفع والخدمات المصرفية الرقمية.
أبرز اللاعبين والمساهمين في النظام البيئي المالي الرقمي
تشمل أبرز الشركات الفاعلة في هذا المجال: زين كاش (Zain Cash)، وهي منصة محافظ هاتف محمول توفر خدمات الدفع والتحويلات والخدمات المالية؛ وآسيا حوالة (AsiaHawala)، التي تقدم حلول الدفع الرقمي والخدمات المالية؛ وفست باي (FastPay)، المتخصصة في مدفوعات الهاتف المحمول وخدمات التحويل؛ وبطاقة كي (Qi Card)، التي تدير المدفوعات الحكومية والرواتب والمزايا الاجتماعية. هذه الشركات تعكس سمة رئيسية للمشهد المالي الرقمي في العراق، وهو النمو المدفوع بشكل أساسي بالمدفوعات والمنصات المرتبطة بالقطاع الحكومي، بدلاً من نظام بيئي واسع ومتنوع من الشركات الناشئة.
الخاتمة: مستقبل التكنولوجيا المالية كأداة لإعادة البناء
لا تزال رحلة التكنولوجيا المالية في العراق في مراحلها الأولى، لكن أهميتها تتزايد يوماً بعد يوم. على الرغم من التحديات الإقليمية والمحلية، بدأت الخدمات المالية الرقمية تساهم في توسيع نطاق الوصول، وتعزيز الشفافية، وتقليل الاعتماد على النقد. وفي ظل استمرار التحديات، توفر التكنولوجيا المالية مساراً نحو نظام مالي أكثر شمولاً وحداثة، مما يدعم جهود التعافي الاقتصادي للعراق على المدى الطويل ويعزز من صموده.
تحليل الأثر
يمثل التوسع في قطاع التكنولوجيا المالية في العراق عنصراً حاسماً في استراتيجية التعافي الاقتصادي الشاملة. من خلال زيادة الشمول المالي، يمكن تحفيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص عمل جديدة، وتحسين كفاءة الخدمات العامة. كما أن تطوير البنية التحتية الرقمية يقلل من مخاطر الفساد ويعزز الثقة في النظام المالي، مما يجذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية. إن نجاح هذا التحول لن يعتمد فقط على الابتكارات التكنولوجية، بل أيضاً على استمرار الدعم التنظيمي من المصرف المركزي العراقي، وزيادة الوعي المالي لدى السكان، وتطوير المهارات الرقمية اللازمة.