في سباق محموم نحو استغلال إمكانيات الذكاء الاصطناعي، قد تبدو شركة إنفيديا (Nvidia) العملاقة، التي تسيطر على سوق وحدات معالجة الرسوميات (GPU) اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، هي النجم الساطع الوحيد. ومع ذلك، تشهد شركة سيجيت (Seagate)، وهي لاعب رئيسي في مجال حلول تخزين البيانات، ارتفاعات صاروخية تثير الدهشة، حيث تفوقت على مكاسب إنفيديا خلال العام الماضي، بل وفي الأشهر الستة الأخيرة. هذا الأداء اللافت لشركة سيجيت، خاصة بعد تحقيقها لأرباح فاقت التوقعات، يضعها بقوة على رادار المستثمرين ويفتح نقاشاً حول أهمية البنية التحتية لتخزين البيانات في عصر الذكاء الاصطناعي المتنامي.
بينما تركز الضغوط الإعلامية والتحليلات غالباً على الشركات التي تبني نماذج الذكاء الاصطناعي، من الضروري إدراك أن هذه النماذج، بغض النظر عن تعقيدها، تعتمد بشكل أساسي على كميات هائلة من البيانات. هنا يأتي دور شركات مثل سيجيت، التي توفر الوسائل لتخزين هذه البيانات بكفاءة وبتكلفة معقولة. إن الارتفاع الأخير في أسهم سيجيت، الذي تجاوز 15% في يوم واحد، يعكس إدراكًا متزايدًا لدورها الحاسم والمغفل أحيانًا في النظام البيئي للذكاء الاصطناعي.
الدور المحوري لسيجيت في منظومة الذكاء الاصطناعي
تتخصص سيجيت في إنتاج محركات الأقراص الصلبة (HDDs) ذات السعة العالية. وعلى الرغم من أن الأجهزة الحديثة والأجهزة الشخصية تتجه نحو استخدام محركات الأقراص ذات الحالة الصلبة (SSDs) و NVMe لسرعتها الفائقة، إلا أن محركات الأقراص الصلبة HDD لا تزال تلعب دوراً لا غنى عنه في مراكز البيانات الضخمة وقطاعات تخزين البيانات الهائلة نظرًا لتكلفتها المنخفضة نسبيًا مقارنة بسعتها التخزينية الفائقة. تتطلب عملية تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، خاصة تلك التي تتعامل مع الفيديو والصور عالية الدقة، مساحات تخزين ضخمة لتخزين بيانات التدريب والمعلومات الناتجة.
تمتلك سيجيت ميزة تنافسية كبيرة تتمثل في صعوبة بناء مصانع محركات الأقراص الصلبة، والتي تستغرق سنوات عديدة. هذا الوجود المبكر والخبرة المكتسبة منحت سيجيت حصناً منيعاً في السوق. ومع الانفجار الكبير في الطلب على البيانات، شهدت أسعار محركات الأقراص عالية السعة ارتفاعاً ملحوظاً، مما أدى إلى توسع كبير في هوامش الربح لشركة سيجيت، حيث وصلت هامش الأرباح قبل احتساب الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك (EBITDA) إلى 27%. كما أكد الرئيس المالي لشركة سيجيت، جيانلوكا رومانو، أن الجزء الأكبر من سعة محركات الأقراص المستخدمة في مراكز البيانات مخصص للعقود القادمة، مع وجود اتفاقيات طلبات مخصصة حتى عام 2027، مما يضمن استقرار الأسعار والأحجام.
آفاق النمو المستمر في عصر البيانات
لا يقتصر الطلب على تخزين البيانات على نماذج الذكاء الاصطناعي النصية فقط، بل يمتد ليشمل نماذج الفيديو والصور عالية الجودة التي تتطلب سعات تخزينية أكبر بكثير. هذه النماذج قادرة على إنتاج كميات هائلة من المحتوى المرئي، والذي غالبًا ما يبقى مخزنًا في مراكز البيانات لفترات طويلة. حتى النماذج النصية تستهلك مساحات تخزين كبيرة نظرًا لقيام المستخدمين بتحميل مستندات وكتب وصور وبرامج بشكل مستمر.
بغض النظر عن التطورات المستقبلية في مجال الذكاء الاصطناعي، فإن الاستخدام المتزايد لهذه التقنيات أمر لا مفر منه. تعتمد العديد من الشركات على تبني الذكاء الاصطناعي بشكل كامل، ومن المتوقع أن يستمر عدد المستخدمين في التزايد. ونتيجة لذلك، رفعت سيجيت هدف نمو إيراداتها السنوي إلى 20% على الأقل، مقارنة بـ 10-15% سابقًا. وتشير التوقعات للربع الرابع إلى تحقيق إيرادات بقيمة 3.45 مليار دولار، بزيادة قدرها 41% على أساس سنوي. وبينما تشتهر أسهم التخزين بكونها دورية، فإن استمرار الطلب المتزايد مدفوعًا بالذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى وضع مشابه لشركة مايكرون (Micron)، حيث يشهد السوق نقصًا في المعروض.
هل يمكن لسهم سيجيت أن يواصل التفوق على إنفيديا؟
على المدى القصير، من المتوقع أن تستمر سيجيت في تحقيق مكاسب تفوق أداء إنفيديا. يعتمد الأداء على المدى الطويل على مدى استدامة هذا الطفرة في مجال الذكاء الاصطناعي. إذا استمرت مرحلة التدريب وتطورت نماذج الذكاء الاصطناعي بشكل كبير، فقد تستعيد إنفيديا زمام المبادرة. تجدر الإشارة إلى أن سهم إنفيديا يتداول بسعر 25 ضعف الأرباح المتوقعة، مما يجعله جذابًا للمستثمرين.
من ناحية أخرى، إذا استمرت الاتجاهات الحالية حيث يتجاوز الطلب على الحوسبة الاستنتاجية (inference) احتياجات التدريب، فقد تتفوق سيجيت. فمحركات الأقراص الصلبة ستظل مطلوبة بغض النظر عن تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، نظرًا للحاجة المستمرة لتخزين ملفات المستخدمين والطلب المتزايد خارج نطاق الذكاء الاصطناعي. يمكن لشركات الحوسبة السحابية الكبرى مثل جوجل (Google) استخدام هذه المحركات لتخزين البيانات السحابية وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وهي مرونة لا توفرها وحدات معالجة الرسوميات (GPUs). يتوقع المحللون عامًا أو عامين آخرين من التفوق لسيجيت.
مكاسب سهلة تحققت، والمزيد في الطريق
يتداول سهم سيجيت حاليًا بسعر 23 ضعف الأرباح المتوقعة، وهو تقييم جذاب لمورد لتخزين البيانات في مراكز البيانات، خاصة مع قيمة سوقية تقل عن 150 مليار دولار. لا يستبعد المحللون وصول القيمة السوقية للشركة إلى أكثر من 300 مليار دولار بنهاية العام. من المتوقع أن ينمو الإيرادات بنسبة تزيد عن 32% خلال السنوات القادمة، مع نمو الأرباح للسهم بنسبة 70-80% سنويًا، وهي معدلات أسرع من إنفيديا وغالبية أسهم وحدات معالجة الرسوميات. حتى مع الحفاظ على مضاعف أرباح متوقع قدره 30 ضعفًا، يمكن لسهم سيجيت أن يتضاعف سعره خلال عام واحد.