في ظل التسارع الهائل للذكاء الاصطناعي، تواجه العديد من الشركات تحدياً جوهرياً يتمثل في عدم ملاءمة هياكلها التنظيمية وأنظمة عملها الحالية لعصر التكنولوجيا الجديد. يؤكد الخبراء أن التحول نحو الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على اختيار الأدوات المناسبة، بل يتطلب إعادة تصميم شاملة لكيفية اتخاذ القرارات، وتطور أداء الفرق، وسلاسة تدفق العمل عبر أقسام المؤسسة. إن الشركات التي تتصدر هذا المشهد هي تلك التي تعيد بناء أسسها التنظيمية، لتواكب سرعة اتخاذ القرار التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، حيث يمكن للمؤسسة التي كانت تحتاج لأسابيع لاتخاذ قرار، أن تصبح اليوم منافسة لغيرها التي تتخذ قرارات أذكى في غضون ساعات قليلة، مما يؤدي إلى تفاقم الفجوة بسرعة.
ويكمن الخطر الأكبر في أن معظم المؤسسات لا تزال تعتمد على نماذج تشغيلية صُممت في القرن العشرين، وهي نماذج لم تعد قادرة على تشغيل إمكانات الذكاء الاصطناعي في القرن الحادي والعشرين. إن استمرار الاعتماد على هياكل تنظيمية عتيقة، حيث تتدفق الاستراتيجيات من أعلى إلى أسفل عبر طبقات من الموافقات، وتتحرك الأعمال جانبياً عبر أقسام وظيفية، وتؤدي التسلسلات الهرمية إلى إبطاء عملية اتخاذ القرار، وتفقد عمليات التسليم المعلومات، هو تصميم ملائم لعالم كان يقدّر الاتساق أكثر من السرعة. لكن مع الذكاء الاصطناعي، تقلصت نافذة التكيف المتاحة للمؤسسات التقليدية بشكل كبير، من سنوات إلى أشهر، مما يستدعي ضرورة التحرك السريع والجذري.
إعادة هيكلة المنظمة لتصبح جاهزة للذكاء الاصطناعي
1. نظام التشغيل القديم لا يمكنه تشغيل الذكاء الاصطناعي
إن الاعتماد على نماذج تشغيلية وُضعت في عصر التصنيع، والتي تتسم بتدفق الاستراتيجيات من أعلى إلى أسفل، وتدفق العمل جانبياً عبر أقسام وظيفية، وإبطاء القرارات بسبب التسلسلات الهرمية، وفقدان المعلومات في عمليات التسليم، هو ما يجعل الشركات غير قادرة على مواكبة الابتكار. كانت هذه التصميمات مناسبة لعالم كان يقيّم الاتساق فوق السرعة، لكن الذكاء الاصطناعي غيّر قواعد اللعبة تماماً. المؤسسة التي تنتظر ستة أسابيع لاتخاذ قرار، لن تتمكن من منافسة مؤسسة تتخذ القرار نفسه في ست ساعات، وببيانات أفضل. وبدلاً من معالجة المشكلة الجذرية، غالباً ما تلجأ الشركات إلى إضافة مبادرة "الذكاء الاصطناعي" فوق الهيكل القائم، مما ينتج عنه ما يُعرف بـ "الحافة المتعرجة"، حيث تتقدم بعض الفرق بسرعة بينما تبقى فرق أخرى عالقة.
إن الشركات التي لم تنجُ من التحول الرقمي، مثل بلوك باستر وكوداك ونوكيا، لم تختفِ بسبب عدم توفر التكنولوجيا، بل بسبب القصور الذاتي الذي أبقى المنظمة في مكانها. ورغم أن التحول الرقمي منح الشركات نافذة زمنيّة لعقد من الزمان للتكيف، فإن نافذة الذكاء الاصطناعي أقرب إلى ثمانية عشر شهراً. وللخروج من هذا المأزق، توفر كتب مثل "Hyperadaptive" مساراً من خمس مراحل، مدعوماً بالأبحاث ومُطبق بالفعل في شركات رائدة، لمساعدة المؤسسات على التحول إلى نموذج عمل متوافق مع الذكاء الاصطناعي، يتضمن إعادة تصميم الأشخاص والعمليات والثقافة.

2. الذكاء الاصطناعي لا يُثبّت نفسه بنفسه
في التسعينيات، عند ظهور أجهزة الكمبيوتر الشخصية في أماكن العمل، لم يقتصر الأمر على توفير الأجهزة، بل شمل تدريب الموظفين، وتغيير العمليات، وإعادة بناء طريقة أداء العمل. أما اليوم، يبدو أن هناك محاولة لتخطي هذه الخطوات الأساسية عند التعامل مع الذكاء الاصطناعي. الذكاء الاصطناعي أشبه بالبيانو؛ يمكن لأي شخص العزف على مفاتيحه، لكن أداء مقطوعة موسيقية يتطلب ممارسة وتوجيهاً متعمدين. ورغم بساطة واجهة الذكاء الاصطناعي، فإن النتائج المتوسطة هي ما نحصل عليه بدون جهد، بينما يمكن أن تكون النتائج تحويلية عند توفير الهيكل والدعم المناسبين.
يشير براد ميلر، المدير التنفيذي للمعلومات في موديرنا، إلى أن 90% من الشركات ترغب في تبني الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكن 10% فقط تنجح، والسبب ليس التكنولوجيا نفسها، بل عدم بناء الآليات اللازمة لتحويل القوى العاملة. لقد نجحت موديرنا في الانضمام إلى هذه النسبة الضئيلة، حيث تمكنت من تحقيق اعتماد بنسبة 100% على الذكاء الاصطناعي التوليدي في غضون ستة أشهر، من خلال بناء آليات التدريب، والتوجيه، وإعادة تصميم العمليات، وترسيخ ثقافة تعتبر إتقان الذكاء الاصطناعي قدرة أساسية. وهذا يؤكد أن الاستثمار في التدريب المستمر والتوجيه ووقت الممارسة هو أمر ضروري لتحقيق التحول المنشود.
3. التعلم عجلة ذات اتجاهين، وليس منهجاً دراسياً ثابتاً
الذكاء الاصطناعي في تطور مستمر، والنماذج التي تم تدريب الفرق عليها قبل ستة أشهر قد عفا عليها الزمن الآن، كذلك تتغير فعالية الأوامر (prompts) والاستخدامات الممكنة. بناء منهج تدريبي ثابت لهدف متحرك هو أمر غير مجدٍ. بدلاً من ذلك، تحتاج المؤسسات إلى "ساحة تعلم" تسمح بالتجريب وتبادل الخبرات. شركات مثل PwC تنظم "حفلات توجيه" (prompting parties) حيث تجتمع فرق متعددة التخصصات لمعالجة مشاكل عمل حقيقية باستخدام الذكاء الاصطناعي، مما يعزز التعلم الاجتماعي والسريع.
لكن التعلم بين الأقران وحده لا يكفي؛ يجب التقاط ما يتعلمه الموظفون وإعادة تغذيته في النظام. وهذا يتطلب "عجلة تعلم الذكاء الاصطناعي ثنائية الاتجاه". تشكل "مراكز تفعيل الذكاء الاصطناعي" فرقاً صغيرة متعددة التخصصات تعمل على تطبيق الذكاء الاصطناعي داخل الأقسام، وتجري التجارب، وتوثق ما ينجح. ويتولى "قادة الذكاء الاصطناعي"، وهم الأبطال الداخليون ومترجمو الأتمتة، نقل هذه المعرفة إلى الخطوط الأمامية. والأهم من ذلك، أن الخطوط الأمامية تعكس اكتشافاتها الخاصة مرة أخرى إلى المراكز، حيث يتم تنقيحها واختبارها ونشرها عبر المؤسسة. هذا التفاعل المستمر يضمن تحديث المعرفة باستمرار، مما يمكّن المؤسسات من الاستجابة للتغييرات بوتيرة أسرع من تطور التكنولوجيا.

4. التحرك في بُعد واحد يؤدي إلى "أعمال ذكاء اصطناعي" عشوائية
تركز معظم مبادرات الذكاء الاصطناعي على الأدوات؛ اختيار النموذج المناسب، طرحه، تدريب الموظفين، وانتهاء الأمر. لكن المؤسسة هي نظام متكامل، وتغيير جزء واحد دون الآخر يؤدي إلى نجاحات معزولة، أو ما يُعرف بـ "أعمال الذكاء الاصطناعي العشوائية". هذه الظاهرة تشمل مشاريع تجريبية لا يتم توسيع نطاقها، وفرق تصبح أسرع بينما تبقى فرق أخرى عالقة، وتحقيق مكاسب إنتاجية تتلاشى عند محاولة التنسيق بين الأقسام. الدروس المستفادة من أنظمة مثل نظام إنتاج تويوتا، والمنهجيات المرنة (Agile)، وDevOps، تؤكد أن التقدم يتعثر عندما يفشل المرء في تحريك أبعاد متعددة بشكل متزامن.
بالنسبة للذكاء الاصطناعي، هناك تسعة أبعاد يجب معالجتها معاً، ومن أبرزها:
- الحوافز: إذا كانت أنظمة المكافآت لا تزال تكافئ الموظفين على الدقة بدلاً من التعلم السريع، فلن تصبح المؤسسة "شديدة التكيف" (Hyperadaptive). يتضمن عمل الذكاء الاصطناعي جوانب غير مؤكدة، ويجب أن يشعر الموظفون بالأمان لتجربة أمور قد لا تنجح.
- حقوق اتخاذ القرار: يقلل الذكاء الاصطناعي من التسلسل الهرمي لاتخاذ القرار. يمكن لمحلل مبتدئ، باستخدام النموذج الصحيح، اتخاذ قرار كان يتطلب سابقاً موافقات من ثلاث طبقات. إذا لم يتم إعادة هندسة من يتخذ القرارات، فإن جزءاً كبيراً من السرعة يضيع.
- طريقة التنظيم: التنظيم حول الوظائف مقابل التنظيم حول مسارات القيمة، والفرق الدائمة مقابل الفرق الديناميكية. معظم المؤسسات أُنشئت للتعامل مع العمل كما كان موجوداً قبل 20 أو 40 عاماً، بينما يتطلب الذكاء الاصطناعي التنظيم حول العمل كما هو قائم الآن.
تميل المؤسسات إلى التحرك ببطء وبشكل غير متساوٍ. الخارطة ذات الخمس مراحل تأخذ هذا في الاعتبار، حيث يتم تحريك الأبعاد المتاحة في كل مرحلة. لا يجب أن تتحرك هذه الأبعاد بتزامن تام، ولكن يجب النظر إليها كنظام متكامل. ترك بُعد واحد يتخلف كثيراً يعيق التقدم في الأبعاد الأخرى. معاملة الذكاء الاصطناعي كمبادرة أدوات تقدم نتائج أدوات، بينما معاملته كنظام يُعاد ابتكاره تقدم نتائج تنظيمية.
5. التاريخ يوضح مسار الوظائف، لكن من المسؤول عن نقل الموظفين إليها؟
تتوقع تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي للوظائف المستقبلية أن يتم الاستغناء عن 92 مليون وظيفة بحلول عام 2030. ورغم أن هذا الرقم جدير بالاهتمام، إلا أن التقارير نفسها تتوقع خلق 170 مليون وظيفة جديدة خلال نفس الفترة، مما يعني نمواً صافياً قدره 78 مليون وظيفة. السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الوظائف ستختفي، بل إلى أين تتجه، وما إذا كنا ننتبه لذلك. التاريخ يوضح مسار هذه التغيرات؛ فقد شهدت ثورات سابقة مثل ظهور الكهرباء، وأتمتة المصانع، وDevOps، والحواسيب الشخصية، نفس النمط: توقف الناس عن أداء المهام يدوياً وبدأوا في بناء ومراقبة وصيانة الأنظمة التي تؤديها. تطورت الوظائف، ورغم معاناة بعض الصناعات لفترة طويلة، كان المشهد الكلي نمواً صافياً إيجابياً في كل مرة.
السؤال المطروح هو: من يتحمل مسؤولية نقل الموظفين عبر هذا الجسر؟ هل هي الحكومة؟ الأفراد؟ أم الشركات؟ الشركات الذكية اتخذت قرارها بالفعل. فقد حسبت تكلفة فصل قوة عاملة كاملة وتوظيف أخرى، ليس فقط تكاليف التوظيف، بل أيضاً خسارة المعرفة المؤسسية، وعلاقات العملاء، والذاكرة الثقافية. الشركات الرائدة مثل Unilever تدرك تكلفة هذا الاستبدال وتستثمر في إعادة التأهيل والمطابقة باستخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد الموظفين الحاليين الذين يمكن إعادة تدريبهم للأدوار الناشئة. إنهم يتعاملون مع الأمر كاستراتيجية طويلة الأجل، تماماً كما يتعاملون مع أي استثمار طويل الأجل آخر. نمط التحول الوظيفي واضح، والبيانات تدعم ذلك. والشركات التي تختار تحمل المسؤولية عن موظفيها تفعل ذلك لأنه يعود عليها بالنفع. سيُعيد الذكاء الاصططناعي تشكيل طبيعة العمل، والقرار المتروك للشركات هو ما إذا كانت ستساعد موظفيها على اجتياز هذه المرحلة، أم ستفقدهم ثم تسعى لإيجادهم مرة أخرى بعد تضرر سمعتها.