في ظل وتيرة الحياة المتسارعة، غالبًا ما نجد أنفسنا غارقين في بحر من المهام اليومية، نسعى جاهدين لزيادة الإنتاجية دون التوقف للتساؤل عن جدوى ما نقوم به. في هذا السياق، طرحتُ تجربة فريدة على نفسي خلال عطلة نهاية الأسبوع الطويلة، حيث استعنتُ بنموذج الذكاء الاصطناعي الشهير، تشات جي بي تي، ليس لزيادة سرعة إنجاز مهامي، بل لإعادة تقييمها من منظور فلسفي عميق. هدفتُ إلى استكشاف كيف يمكن لهذا النموذج أن يحلل عادات عملي ومسؤولياتي اليومية من خلال عدسة فلسفة القيادي الشهير سيمون سينيك، المتمثلة في "ابدأ باللماذا"، بهدف فهم الأسباب الجذرية وراء طريقتي في العمل وإعادة تشكيلها لتصبح أكثر تركيزًا على المعنى والأثر بدلاً من مجرد الكم.
كانت الاستجابة الأولية من تشات جي بي تي صادمة وغير مريحة في بعض جوانبها، إلا أنها نجحت في إعادة برمجة نظرتي إلى يوم عملي بشكل جذري. أتاح لي النموذج، بفضل قدرته على معالجة كميات هائلة من المعلومات وتحليلها، اكتشاف نقاط عمياء كنت أتجاهلها عمدًا. بدلاً من التركيز على "ماذا" أفعل أو "كيف" أفعله، أجبرني النموذج على البدء بـ "لماذا"، مما كشف عن أن الكثير من جهدي الذهني كان يُستهلك في ردود الفعل بدلاً من الاستباقية والإبداع. هذه التجربة لم تكن مجرد تمرين فكري، بل كانت عملية تدقيق شاملة لطريقة عملي، قادت إلى فهم أعمق لأولوياتي، نقاط قوتي، وأهدافي طويلة المدى.
تطبيق فلسفة "ابدأ باللماذا" على بيئة العمل باستخدام الذكاء الاصطناعي
لجأتُ إلى تشات جي بي تي بصيغة سؤال محدد، مفاده: "حلل عبء عملي الحالي، عاداتي، ومسؤولياتي اليومية من خلال عدسة فلسفة سيمون سينيك 'ابدأ باللماذا'. حدد أين يبدو عملي منفصلاً عن الهدف، أين قد أكون أطارد الإنتاجية بدلاً من المعنى، وأي المهام تتماشى بشكل أوثق مع دوافعي الأعمق، نقاط قوتي، وأهدافي طويلة الأمد. ثم اقترح طرقًا لإعادة هيكلة سير عملي حول الوضوح، التأثير، والرضا بدلاً من مجرد المخرجات.". هذا الطلب المحدد أتاح لتشات جي بي تي التعمق في التفاصيل وتحليل نمط عملي بدقة.
كانت النتائج فورية ومثيرة للقلق في آن واحد. كشف تشات جي بي تي عن نمط خفي كنت أغفل عنه، وهو استهلاكي الكبير للطاقة الذهنية في الاستجابة للمؤثرات الخارجية بدلاً من التركيز على المهام الإبداعية أو الهادفة. كما لفت انتباهي إلى عدة أنماط عمل سلبية، مثل:
- تبديل السياق المستمر: التنقل بين المهام بشكل متكرر يكسر التركيز ويقلل من الكفاءة.
- فخ الاستعجال: إعطاء الأولوية لأي إشعار يصل أولاً، مما يؤدي إلى إهمال المهام الأكثر أهمية.
- مغالطة المقاييس: الاعتماد على مقياس واحد للنجاح، غالبًا ما يكون الكمي فقط، متجاهلاً الجودة والأثر.
- زحف البريد الوارد: التحقق من رسائل البريد الإلكتروني خلال أوقات التركيز المخصصة للمهام العميقة.
كان من الواضح أنني قد بنيتُ نظام عمل غير مستدام، يعتمد على تجنب الإجهاد بدلًا من تحقيق عمل هادف ومؤثر. كان الجزء الأكثر فائدة في هذه التجربة هو كيف أجبرني تشات جي بي تي على العودة إلى السؤال الأساسي: "لماذا هذه المهمة مهمة؟" هذا التساؤل غير نظرتي من طرح أسئلة دفاعية مثل "هل ستستغرق خمس دقائق؟" إلى أسئلة استكشافية تركز على القيمة والهدف.
تحديد "الإنتاجية الزائفة" بمساعدة الذكاء الاصطناعي
لقد ساعدني تشات جي بي تي في تسمية عادات عملي الأسوأ. أشار النموذج إلى أن المهام التي تندرج تحت "الإنتاجية الزائفة" هي تلك التي تبدو مرضية عند إنجازها بسبب سهولتها وسرعتها، لكنها تفتقر إلى القيمة الحقيقية أو التأثير طويل المدى. بالنسبة لي، تجسدت هذه الإنتاجية الزائفة في عدة أشكال، منها: الانشغال المفرط بتحليل إحصائيات الوصول في الوقت الفعلي للمقالات، المبالغة في التدقيق اللغوي أو الجمالي في جوانب غير جوهرية، الرد على الرسائل غير العاجلة فور وصولها، وتعدد المهام أثناء العمل على مشاريع تتطلب تركيزًا عميقًا، وذلك كشكل من أشكال التسويف.
قدم الذكاء الاصطناعي اقتراحًا جذريًا لإعادة الهيكلة: التوقف عن البحث عن عادات صغيرة، وبدلًا من ذلك، استبدال الضوضاء بجلسات تركيز عميق وغير منقطع، ووضع حدود صارمة للتواصل، والالتزام بقضاء وقت أطول في الخلق والإبداع بدلاً من رد الفعل. على الرغم من أنني سمعت هذه النصائح مرات عديدة من قبل، إلا أن تطبيقها من خلال عدسة فلسفة سيمون سينيك ساعدني على التفكير فيها ضمن إطار يركز على الغرض الإنساني. ما فاجأني أكثر في السماح للذكاء الاصطناعي بتطبيق إطار سيمون سينيك على حياتي هو أنه لم يجعلني أرغب في العمل بجدية أكبر، بل بشكل أكثر تعمدًا. الآن. أقوم الآن بتدقيق طاقتي من خلال طرح أسئلة مثل: أي المشاريع تدعم نموي طويل الأمد بالفعل؟ وأي المهام تنشطني وأيها تستنزف طاقتي؟
بشكل مثير للسخرية، أدى هذا التحول إلى زيادة إنتاجيتي بشكل ملحوظ، حيث توقفت عن إهدار طاقتي الذهنية الممتازة على مهام لا تستحق ذلك. لقد أصبحتُ أركز على ما يهم حقًا، مما سمح لي بتحقيق تقدم ملموس في الأهداف الرئيسية.
خاتمة: الذكاء الاصطناعي كمرآة للتأمل الذاتي
إن الاعتماد على تشات جي بي تي بهذه الطريقة أبرز استخدامًا غير مقدر للقيمة للذكاء الاصطناعي التوليدي: التأمل الذاتي. عندما تقترن نماذج اللغة الكبيرة بإطار فلسفي مثبت مثل "ابدأ باللماذا"، فإنها تتحول إلى مرآة تعكس نقاط ضعفك وتحدياتك. لذا، إذا كان يوم عملك يبدو مرهقًا ولكنك لا تنجز شيئًا ذا قيمة، فتوقف عن البحث عن تطبيق تقويم أفضل. افتح تشات جي بي تي واستدعِ إطارًا يركز على الغرض. إنها دعوة لاستخدام التكنولوجيا ليس فقط لأتمتة المهام، بل لإعادة تعريف علاقتنا بالعمل نفسه، وضمان أن كل جهد نبذله يخدم هدفًا أسمى.