أعلنت شركة أنثروبيك، المتخصصة في تطوير الذكاء الاصطناعي، يوم الخميس عن رفضها القاطع لمطلب وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بالسماح باستخدام نماذجها للذكاء الاصطناعي بحرية مطلقة دون قيود. وتأتي هذه الخطوة في ظل خلاف متصاعد حول إزالة إجراءات الأمان التي تفرضها الشركة لمنع استخدام تقنياتها في تطبيقات قد تتعارض مع القيم الديمقراطية أو تشكل مخاطر أمنية.
تسعى أنثروبيك، من خلال الحفاظ على قيودها الحالية، إلى منع استخدام أدواتها، بما في ذلك نموذجها المتقدم "كلود" (Claude)، في أغراض مثل "المراقبة المحلية الجماعية" و"الأسلحة ذاتية التشغيل بالكامل". وهي قيود يعتبرها البنتاغون غير قابلة للتطبيق في سياق عملياته العسكرية.
خلاف حول الاستخدامات العسكرية لنماذج الذكاء الاصطناعي
موقف أنثروبيك من القيود الأمنية
صرحت الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، داريو أموداي، في بيان نُشر يوم الخميس، بأن الشركة لن تتنازل عن إجراءاتها الوقائية. وأكد أموداي أن الشركة لم تعترض سابقًا على عمليات عسكرية محددة أو سعت للحد من استخدام تقنياتها بشكل متقطع. ومع ذلك، أوضح أن هناك مجموعة ضيقة من الحالات التي يعتقد فيها أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقوض القيم الديمقراطية بدلًا من الدفاع عنها.
وأشار أموداي إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة حاليًا ليست موثوقة بما يكفي لتنفيذ المهام التي يسعى البنتاغون لتطبيقها بها. وأضاف أن الأسلحة ذاتية التشغيل، رغم فوائدها المثبتة في مناطق النزاع، تتطلب مستوى عالٍ من الموثوقية لا تتمتع به أنظمة الذكاء الاصطناعي "الرائدة" حاليًا. واقترح أموداي العمل مباشرة مع وزارة الدفاع لتطوير وتحسين موثوقية هذه الأنظمة، وهو عرض لم يتم قبوله.
موقف وزارة الدفاع الأمريكية والضغوطات
من جانبها، أعربت وزارة الدفاع الأمريكية عن تحفظاتها بشأن طلبات أنثروبيك، واصفة إياها بأنها "غير قابلة للتطبيق". يأتي هذا التوتر في الوقت الذي كانت فيه إدارتا البنتاغون والشركات المتعاقدة تجريان مفاوضات حول هذه القضية منذ أسابيع. وكانت تقارير قد أشارت إلى تهديدات من قبل الإدارة الأمريكية السابقة باستدعاء "قانون الإنتاج الدفاعي"، الذي يمنح السلطة التنفيذية صلاحية استخدام المخاوف المتعلقة بالدفاع الوطني لإجبار الشركات المحلية على إنتاج سلع أو خدمات لصالح الحكومة، أو اعتبارها "خطرًا على سلسلة التوريد".
وحسب تقارير إعلامية، كانت وزارة الدفاع قد بدأت بالفعل إجراءات لتعيين أنثروبيك كخطر على سلسلة التوريد. وقد طلبت الوزارة من شركات كبرى مثل بوينغ ولوكهيد مارتن توثيق اعتمادها على نموذج "كلود".
التبعات المحتملة للخلاف
في تغريدة له على منصة X، نفى المتحدث باسم البنتاغون، شون بارنيل، بشكل قاطع رواية استخدام الذكاء الاصطناعي للمراقبة الجماعية أو تطوير أسلحة ذاتية التشغيل بالكامل. وأكد أن طلب البنتاغون يقتصر على السماح باستخدام نماذج أنثروبيك "لجميع الأغراض القانونية"، معتبرًا ذلك طلبًا بسيطًا ومنطقيًا لمنع شركة ما من إملاء شروط العمليات التشغيلية للجيش.
من ناحية أخرى، حذر أموداي من أن "المراقبة الجماعية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي تشكل مخاطر جسيمة وجديدة على حرياتنا الأساسية". وأشار إلى أن قدرة الذكاء الاصطناعي على تجميع البيانات المتفرقة وتحويلها إلى صورة شاملة لحياة الأفراد، آليًا وعلى نطاق واسع، تمثل تحديًا قانونيًا وتنظيميًا متزايدًا، خاصة وأن القوانين الحالية لم تواكب التطورات السريعة في قدرات الذكاء الاصطناعي.
تحليل الأثر
يمثل هذا الخلاف بين شركة تكنولوجيا رائدة ووزارة الدفاع الأمريكية نقطة تحول هامة في كيفية تعامل الحكومات مع تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة. إن رفض أنثروبيك يثير تساؤلات جوهرية حول التوازن بين الابتكار التكنولوجي، والمتطلبات الأمنية للدول، وحماية الحريات المدنية. كما أنه يسلط الضوء على التحديات الأخلاقية التي تواجه شركات الذكاء الاصطناعي عند تطوير أدوات ذات قدرات مزدوجة الاستخدام، سواء في المجال المدني أو العسكري.