يشهد علم الكونيات، وهو فرع الفيزياء الذي يدرس نشأة الكون وتطوره وهيكله العام، تطورات متسارعة تتجاوز مجرد نشر صور فلكية مذهلة. غالبًا ما تتطلب معالجة البيانات الكونية مئات أو آلاف الحسابات المعقدة والمحاكاة التي قد تستغرق شهورًا أو سنوات. في محاولة لتخفيف هذه الأعباء، يتجه العلماء بشكل متزايد نحو استخدام الذكاء الاصطناعي (AI)، لكن دراسة حديثة تكشف عن جوانب دقيقة ومعقدة لهذه العلاقة، تتضمن مزايا محتملة وعيوبًا جوهرية.
في دراسة نشرت مؤخرًا في مجلة علم الكونيات والفيزياء الفلكية الجسيمية، قام علماء كونيات بتدريب شبكة عصبية اصطناعية على محاكاة نموذج ΛCDM، وهو النموذج القياسي لعلم الكونيات. بعد ذلك، اختبر الفريق ما إذا كان هذا التدريب المسبق سيساعد أم يضر في استكشافات الذكاء الاصطناعي اللاحقة لمشاكل أخرى معلقة في علم الكونيات والفيزياء الفلكية. على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي أظهر بعض الإمكانيات الواعدة، إلا أنه طور تحيزات أثرت سلبًا على قدرته على اكتشاف فيزياء جديدة.
تحديات معالجة البيانات الكونية
تتطلب الاكتشافات في مجال علم الكونيات استثمارات زمنية ومادية كبيرة. وكما أوضح ويل بيرسيفال، المتحدث المشارك في مشروع DESI (مقياس طيف الطاقة المظلمة)، فإن إعداد مجموعات البيانات للتحليل العلمي يتضمن إنشاء أكوان زائفة ومجرات، ثم تشغيل عمليات محاكاة كاختبارات للتحقق من الصحة. هذه العمليات ضرورية لاستخلاص أي استنتاجات جادة من الملاحظات المتقدمة.
لكن محاكاة نماذج تتجاوز النموذج القياسي - وهي امتدادات تتضمن نيوترينوات ضخمة، أو طاقة مظلمة متطورة، أو جاذبية معدلة - تكون مكلفة للغاية أيضًا. وفي الوقت نفسه، يعد اختبار هذه السيناريوهات البديلة، بغض النظر عما إذا كانت صحيحة في النهاية، أمرًا بالغ الأهمية لتعزيز فهمنا للكون. وهذا الدافع العملي هو ما دفع الباحثين إلى البحث عن "طرق يمكنها التعلم بكفاءة دون الحاجة إلى مجموعات محاكاة جديدة ضخمة لكل سيناريو".
نقل التعلم: الأمل والتحيزات
لإجراء التجربة، استخدم الفريق استراتيجية تعلم آلي تسمى "نقل التعلم" (Transfer Learning). في هذا النهج، يتعلم النموذج أولاً من مهمة أو مجموعة بيانات - محاكاة النموذج القياسي - ثم يطبق هذه المعرفة لتعلم مهمة ذات صلة أو إصدارات موسعة من النموذج القياسي التي تتضمن أفكارًا واعدة للفيزياء الجديدة.
وفقًا للباحثين، أدى الذكاء الاصطناعي أداءً جيدًا فيما يتعلق بفهم النموذج القياسي بناءً على عدد أقل من عمليات المحاكاة الأقل تكلفة. ومع ذلك، بدأ في التعثر عندما "تتداخل الفيزياء الجديدة مع الاتجاهات التي تعلمها بالفعل في فضاء المعلمات [للنموذج القياسي]". هذه الظاهرة، المسماة "النقل السلبي" (Negative Transfer)، ظهرت عندما أصبح الذكاء الاصطناعي متحيزًا وغير قادر على التمييز بين تأثيرين فيزيائيين مختلفين ينتجان أنماطًا متشابهة في البيانات. لذا، بدلاً من اكتشاف شيء جديد بطبيعته، اعتمد الذكاء الاصطناعي على ما تعلمه بالفعل، مما تسبب في تفويته للأدلة المحتملة التي تشير إلى فيزياء تتجاوز النموذج القياسي.
الذكاء الاصطناعي وعلم الكونيات: مستقبل العلاقة
بالنسبة للباحثين، تؤكد النتائج الأخيرة على الفكرة التي ليست جديدة تمامًا بأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون مفيدًا، ولكن يجب على الخبراء البشريين متابعة حساباته بعناية لفهم الأسئلة ذات الصلة ومتابعتها.
وأضاف أحد الباحثين: "يمكن لنقل التعلم أن يمنح الذكاء الاصطناعي بداية قوية، مما يسمح لنا باختبار المزيد من الأفكار حول الكون أكثر مما هو عملي بخلاف ذلك". وأردف: "ولكن إذا كان النموذج ينقل المعرفة من إعداد إلى آخر، فنحن بحاجة إلى فهم ما تم نقله - متى تساعد هذه المعرفة ومتى قد تضلل".
يخطط الباحثون في المرحلة التالية لإجراء تجارب مماثلة في بيئات "تحاكي بشكل أوثق بيانات المسح الفعلية" والتي تشمل "شكوك تشكل المجرات، وقناع المسح، والضوضاء". بالإضافة إلى ذلك، يسعى الفريق إلى استكشاف الاستفسارات الكونية التي يمكن أن تستفيد أكثر من نقل التعلم.
تحليل التأثير
تشير هذه الدراسة إلى نقطة تحول حرجة في تطبيق أدوات الذكاء الاصطناعي على العلوم المتقدمة مثل علم الكونيات. فبينما يعد تسريع وتيرة البحث هدفًا نبيلًا، فإن خطر إدخال تحيزات غير مرئية من خلال نماذج التعلم الآلي المدربة مسبقًا يمثل تحديًا كبيرًا. يؤكد هذا العمل على ضرورة وجود نهج متوازن يجمع بين قدرات الذكاء الاصطناعي وسلطة الحكم النقدي والتحليل البشري لضمان دقة الاكتشافات وعدم قصرها على مجرد تأكيد ما هو معروف بالفعل. إن فهم قيود وتقاطعات "النقل السلبي" أصبح أمرًا بالغ الأهمية لضمان أن الذكاء الاصطناعي يخدم كأداة اكتشاف حقيقية، وليس كمرآة تعكس التحيزات الموجودة مسبقًا في البيانات أو النماذج.