في حادثة مأساوية تعكس الأثر المدمر للملوثات الكيميائية على البيئة والثروة الحيوانية، اضطر مزارع أبقار في نيومكسيكو، آرت شاب، إلى اتخاذ قرار مؤلم بقتل كامل قطيعه الذي يبلغ تعداده 3665 رأساً. جاء هذا القرار الكارثي بعد اكتشاف مستويات غير مسبوقة من المواد الكيميائية المعروفة باسم "PFAS"، والتي يشار إليها غالباً بـ"المواد الكيميائية الأبدية"، في المياه الجوفية المستخدمة لري الماشية في مزرعته "هاي لاند ديري" الواقعة في مدينة كلوفيس بولاية نيومكسيكو. وقد أدت هذه النتائج إلى سحب السلطات المحلية والفدرالية لتصريح شاب ببيع الحليب، وفرض حجر صحي على قطيعه، مما استحال معه بيع الأبقار سواء للاستهلاك أو لغرض التربية.
ويقول شاب بمرارة: "لم أعد أرغب في هذه المزرعة". تفيد تحقيقات مسؤولي البيئة في الولاية أن مصدر هذا التلوث الخطير هو قاعدة كانون الجوية المجاورة، وهي قاعدة تابعة للقوات الجوية الأمريكية وتضم الجناح السابع والعشرين للعمليات الخاصة. على مدار سنوات، استخدمت فرق الإطفاء في القاعدة رغوة تحتوي على مواد PFAS في تدريباتها، مما أدى إلى تسرب هذه المواد عبر جريان المياه السطحية إلى طبقة المياه الجوفية التي يعتمد عليها شاب ومزارعون آخرون في المنطقة للحصول على المياه.
تداعيات تلوث "PFAS" على القطاع الزراعي الأمريكي
إن قضية المزرعة "هاي لاند ديري" ليست سوى غيض من فيض، حيث تتكرر سيناريوهات مشابهة في مئات المنشآت العسكرية المنتشرة في جميع أنحاء الولايات المتحدة. لكن ولاية نيومكسيكو أصبحت بؤرة المواجهة الوطنية مع ما يعرف بـ"المواد الكيميائية الأبدية"، وهي مجموعة واسعة من المواد الكيميائية الصناعية التي تستخدم في منتجات مثل الملابس المقاومة للماء، ومواد التعبئة والتغليف، وأدوات الطهي غير اللاصقة، وتشتهر بقدرتها على البقاء في البيئة والجسم البشري لفترات طويلة جدًا، مما يثير مخاوف صحية وبيئية جسيمة.
تتسبب هذه المواد، المرتبطة بمشاكل صحية خطيرة تشمل عيوباً خلقية، وأمراضاً في الكبد والقلب، وأنواعاً متعددة من السرطان، في إلحاق أضرار بالغة بالثروة الحيوانية والإنتاج الزراعي. ويشكل تلوث المياه الجوفية تحدياً كبيراً للمزارعين الذين يعتمدون عليها بشكل أساسي لري محاصيلهم وسقاية مواشيهم. وتتفاقم المشكلة بسبب بطء عملية تحللها الطبيعي، وصعوبة إزالتها من المياه، مما يجعل معالجة المياه الملوثة مكلفة ومعقدة.
الدعاوى القضائية والتحرك الحكومي في نيومكسيكو
تقود حاكمة نيومكسيكو، ميشيل لوجان غريشام، حملة قوية لمواجهة هذه الأزمة. فبعد أسابيع قليلة من توليها منصبها في عام 2019، رفعت إدارتها دعوى قضائية ضد القوات الجوية الأمريكية فيما يتعلق بتلوث "PFAS" في قاعدة كانون. وبفضل وضوح الأدلة والاتهامات في قضية نيومكسيكو، اختار قاضٍ فدرالي في ولاية كارولينا الجنوبية هذه الدعوى لتكون بمثابة قضية رائدة (Bellwether) لقضايا مماثلة على مستوى البلاد.
تسعى الولاية من خلال هذه الدعاوى إلى تحميل الحكومة الفدرالية المسؤولية عن تحويل قواعد عسكرية مثل قاعدة كانون إلى مراكز لتفشي تلوث المواد الكيميائية الأبدية. وتؤكد السلطات أن هذه المواد لم تؤثر فقط على صحة الإنسان والثروة الحيوانية، بل امتدت لتشمل تلويث مصادر المياه الرئيسية، مما يشكل تهديداً طويل الأمد للنظام البيئي المحلي وقدرة المنطقة على الزراعة وتربية المواشي.
الأضرار البيئية والصحية لمواد PFAS
إن المواد الكيميائية من عائلة PFAS، والتي يوجد منها الآلاف من المركبات المختلفة، تتميز بخصائص فريدة تجعلها مفيدة في العديد من التطبيقات الصناعية، لكن هذه الخصائص ذاتها تجعلها مشكلة بيئية وصحية كبيرة. فهي مقاومة للحرارة والزيوت والبقع والماء، مما يجعلها مكوناً مثالياً في مجموعة واسعة من المنتجات الاستهلاكية والصناعية. ومع ذلك، فإن هذه المتانة تعني أنها لا تتحلل بسهولة في البيئة، وتتراكم بمرور الوقت في التربة والمياه والكائنات الحية.
تشير الدراسات العلمية إلى ارتباط التعرض لمستويات عالية من PFAS بزيادة خطر الإصابة بأنواع معينة من السرطان، مثل سرطان الكلى والخصية، بالإضافة إلى ارتفاع الكوليسترول، وتأثيرات على جهاز المناعة، ومشاكل الغدة الدرقية، وزيادة مخاطر ارتفاع ضغط الدم ومقدمات الارتعاج لدى النساء الحوامل. كما أن استهلاك المنتجات الحيوانية الملوثة يمكن أن يشكل طريقاً إضافياً لانتقال هذه المواد إلى جسم الإنسان.
التحديات المستقبلية لإدارة تلوث PFAS
تواجه الحكومات والمجتمعات المحلية تحديات هائلة في معالجة مشكلة تلوث PFAS. فعلى الرغم من الجهود المبذولة لتنظيم استخدام هذه المواد وتطوير تقنيات لإزالتها من المياه، إلا أن الانتشار الواسع لهذه المواد في البيئة يجعل الحلول الكاملة أمراً بعيد المنال في المدى القصير. وتتطلب معالجة هذه المشكلة استثمارات ضخمة في البنية التحتية لمعالجة المياه، وتطوير تقنيات جديدة، وفرض لوائح تنظيمية أكثر صرامة على المصانع والمنشآت العسكرية.
إن القضايا القانونية والمالية المرتبطة بتعويض المتضررين وتنظيف المواقع الملوثة معقدة وطويلة الأمد. وتظل الحاجة ملحة لزيادة الوعي العام والتشريعي حول مخاطر PFAS، وتشجيع الابتكار في تطوير بدائل أكثر أماناً لهذه المواد الكيميائية، والتأكيد على مبدأ "الملوث يدفع" لضمان تحمل الجهات المسؤولة لتكاليف المعالجة والتنظيف.
تأثير على الأمن الغذائي
تثير قضايا تلوث المياه مثل تلك التي حدثت في نيومكسيكو تساؤلات جادة حول استدامة الإنتاج الغذائي. فعندما تتلوث مصادر المياه الرئيسية التي تعتمد عليها الزراعة، فإن ذلك يهدد ليس فقط سبل عيش المزارعين، بل أيضاً القدرة على توفير الغذاء الآمن والصحي للمستهلكين. إن تعرض الماشية للملوثات يمكن أن يؤدي إلى انتقالها إلى المنتجات الحيوانية، مما يشكل خطراً مباشراً على الصحة العامة.
إن الاعتماد على المياه الملوثة يمكن أن يتسبب في أمراض مزمنة للحيوانات، مما يقلل من إنتاجيتها ويزيد من احتمالية نفوقها. ويفرض ذلك على القطاع الزراعي تبني استراتيجيات جديدة لضمان جودة المياه، بما في ذلك الاستثمار في تقنيات تنقية المياه، والبحث عن مصادر مياه بديلة، وتطبيق ممارسات زراعية مستدامة تقلل من الاعتماد على المصادر الملوثة.