يشهد عالمنا اليوم تناقصًا ملحوظًا في أعداد الطيور، وهو اتجاه مقلق يؤثر على النظم البيئية حول العالم. فقدت أمريكا الشمالية ما يقدر بـ 3 مليارات طائر مقارنة بنصف قرن مضى، بينما شهدت أوروبا انخفاضًا بلغ 500 مليون طائر، وبريطانيا 73 مليون طائر. على المستوى العالمي، تراجع أكثر من 60% من أنواع الطيور، حتى تلك التي كانت تُعد شائعة. طائر "الخرشنة الشائعة" (common eider) أصبح الآن في نفس الفئة الحفظية العالمية مثل حيوان الجاكوار. لم تعد أصوات الصباح والربيع تحمل ذات الشدو، والهواء أصبح أكثر فراغًا، وكأن جوقة سماوية قد صمتت، مما يشير إلى خسارة شبه لا يمكن تصورها.
في أغسطس 1861، وصف عالم الطبيعة الأمريكي أ. س. باكارد في يومياته مشاهداته لقطعان ضخمة من طيور السمنة المهاجرة على ساحل لابرادور الجنوبي، واصفًا سربًا "لا بد أنه كان بطول ميل وعرضه تقريبًا، ولا بد أنه ضم أربعة أو خمسة آلاف طائر!"، وكان صوتها الجماعي "يشبه في بعض الأحيان صوت الرياح وهي تصفر عبر حبال سفينة تبلغ سعتها ألف طن". وبعد عقدين من الزمن، وصف عالم الطبيعة الإنجليزي ريتشارد جيفريز وفرة الحياة الطيرية على مشارف لندن، مشيرًا إلى "سرب من طيور القُبَّعة الصغيرة والعصافير المغردة... وجوقة من طيور الشحرور والأسود، وعصافير الزَّيْتُون في أشجار الدردار، وعصافير الغابات في الشجيرات، وحمام الخشب والحمام البري في البقاع، وطائر القُبَّعة الشجري حول أشجار البلوط في حقول القمح؛ كل شجيرة، كل شجرة، تقريبًا كل كتلة تربة... بدت وكأنها تضم مغنيها الخاص".
الكتاب الجديد: "طيور العالم" - نظرة أعمق نحو تقدير الطيور
إن غياب شيء ما أصعب تتبعًا وإحساسًا من حضوره. أشباح الطيور التي اختفت تتلاشى بسرعة من الذاكرة. متلازمة خط الأساس المتغير (Shifting baseline syndrome) تعوّدنا على سماوات أقل وفرة. ومع ذلك، فإن هذا الواقع لا يجب أن يكون مصيرنا، فما لا نحبه لا يمكننا إنقاذه، ونحن نادرًا ما نحب ما لا نستطيع تسميته. الملاحظة هي الخطوة الأولى نحو التسمية، والتسمية هي الخطوة الأولى نحو معرفة الأشياء والعلاقات بينها. وقد تؤدي المعرفة إلى الدهشة، والدهشة إلى الاهتمام، والاهتمام إلى العمل، والعمل إلى التغيير. ولكن هذه السلسلة هشة، ومن السهل كسرها، ويجب إعادة تشكيل حلقات الوصل فيها وتقويتها مرارًا وتكرارًا.
يأتي كتاب "طيور العالم" (The Book of Birds) ليقوم بهذا العمل الجبار لإعادة تشكيل علاقتنا بالطيور. إنه دليل ميداني مستوحى جزئيًا من الكلاسيكيات في هذا النوع من الكتب التي نشأنا عليها وتعلّمنا منها، مثل "كتاب طيور بريطانيا" من Reader’s Digest، و"كتاب طيور أمريكا الشمالية"، و"كتاب المراقب للطيور" و"كتاب المراقب لبيض الطيور"، و"طيور العالم" من كولينز، و"تاريخ طيور بريطانيا" لتوماس بيويك، وحتى "طيور أمريكا" لجون جيمس أودوبون، على الرغم من الجدل الأخلاقي حوله.
ما يميز "طيور العالم" عن غيره من الأدلة الميدانية
يختلف كتابنا هذا عن الأدلة التقليدية. فهو لا يسأل "ما هو هذا الطائر؟"، بل "من هو هذا الطائر؟". يهدف الكتاب إلى مساعدة القراء على تحديد الطيور، وبالأهم من ذلك، على التعاطف معها. فبدلاً من الصور الفوتوغرافية، يعتمد الكتاب على الرسم. وبجانب البيانات، يقدم الكتاب الاستعارات والقصص والشعر. وبدلاً من التعريفات الجامدة، يسعى لربط القارئ بالطائر. وبالإضافة إلى التصنيف العلمي، يهدف إلى إلهام شيء أشبه بالحب تجاه هذه الكائنات.
يتركز هيكل الكتاب حول "عجائب سبع"، وهي تشكل معًا المعجزة اليومية التي نسميها ببساطة "الطائر": عجائب العش (Nest)، والبيضة (Egg)، والمنقار (Beak)، والغناء (Song)، والريشة (Feather)، والطيران (Flight)، والهجرة (Migration). بين كل اثنتين من هذه العجائب، تأتي سبع مجموعات، كل مجموعة تحتوي على سبعة أنواع من الطيور، ليصبح المجموع 49 طائرًا. تبدأ هذه القائمة من طائر الأفوست (avocet) إلى طائر الخشخشة (woodcock)، ومن طائر السمنة ذي الذيل الشريط (bar-tailed godwit) إلى طائر الصفارية (yellowhammer). جميع هذه الطيور هي، أو كانت مؤخرًا، ضمن قائمة "القائمة الحمراء" أو "القائمة الكهرمانية" لمجالات الاهتمام بالحفاظ عليها. إنها تبدأ جميعًا في إظهار علامات الضعف، والصعوبة، والاضطراب. إنها تنسحب من مدننا، وحقولنا، وتلالنا، وأنهارنا، وغاباتنا، وسواحلنا، وبحارنا. لقد بدأت جميعها الانزلاق البطيء نحو الظلام المطلق للانقراض.
السعي لاستعادة الطيور المهددة بالانقراض
استجابةً لهذا الواقع المروع، حاولنا جاهدين إعادة هذه الأنواع إلى بؤرة التركيز والتقدير الكامل. لقد سعينا بالكلمة والرسم لإثارة شيء من "حقيقة" كل طائر المدهشة – ما يجعل صقر الشُّبَّيْطِيّ (sparrowhawk) صقرًا، وما يجعل طائر المُرْوِث (bittern) مرْوِثًا. على الرغم من أن الكتاب قد أُنتج في عصر الفقد، إلا أنه في جوهره كتاب أمل. الفن فيه يهدف إلى التكريم والاحتفاء؛ والكلمات فيه يُقصد بها أن تُقال بصوت عالٍ، كشكل من أشكال الاستدعاء.
ما الذي نفقده عندما نفقد الطيور؟ قبل كل شيء، نفقد الكائنات نفسها، في مجدها الخاص وحقها في الوجود. وبالنسبة للبشر، نفقد اللغة، والقصة، والجمال، والإمكانيات، والخيال، ورفع الروح، وطرقًا أخرى للوجود. الطيور هي صانعة أماكننا، رافعة قلوبنا، حافظة ذكرياتنا، تقاويمنا، وساعاتنا. إنها تربط أجزاء العالم ببعضها البعض: الأرض بالسماء، النهر بالغابة، الجبل بالمحيط، الدولة بالدولة، نصف الكرة الأرضية بنصف الكرة الأخرى. بدونها، تبدأ الأشياء في الانهيار.
خلال السنوات السبع التي قضيناها في إعداد "كتاب الطيور"، كانت كلمات اثنين من الكتاب مرشدنا بشكل خاص. الأول كان ملاحظة لبرتولت بريخت عام 1939: "في الأوقات المظلمة، هل سيكون هناك غناء أيضًا؟ نعم، سيكون هناك غناء عن الأوقات المظلمة". والثاني كان مجموعة من ثلاث تعليمات قدمتها الشاعرة ماري أوليفر عام 2008: "انتبه. انبهر. اروِ عنها".