6 دقيقة قراءة
نيوزيلندا تضع قوانين جديدة لمكافحة المحتوى الجنسي المولّد بالذكاء الاصطناعي

نيوزيلندا تضع قوانين جديدة لمكافحة المحتوى الجنسي المولّد بالذكاء الاصطناعي

فهرس المحتويات

تتجه نيوزيلندا نحو تحديث قوانينها لمواجهة الانتشار المقلق للمحتوى الجنسي المفبرك باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. يأتي مشروع قانون "الضرر الرقمي والاستغلال الناتج عن التزييف العميق" (Deepfake Digital Harm and Exploitation Bill) إلى قراءة أولى هذا الأسبوع، ويحظى بدعم واسع من مختلف الأطياف السياسية. يهدف هذا التعديل التشريعي إلى تجريم إنشاء أو مشاركة أو بيع المواد الجنسية المفبركة بتقنية التزييف العميق دون موافقة الطرف المعني.

تأتي هذه الخطوة في سياق تصاعد حالات الاستخدام المسيء لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك استخدام نماذج مثل روبوت الدردشة Grok من شركة Elon Musk على منصة X، حيث تم استغلاله لإنشاء صور إباحية رقمية لنساء وفتيات، وإنتاج ما يقدر بنحو ثلاثة ملايين صورة ذات طبيعة جنسية. لا تقف نيوزيلندا وحدها في مواجهة هذه الظاهرة، فقد سبقتها دول مثل المملكة المتحدة، أستراليا، كوريا الجنوبية، والولايات المتحدة في سن أو توسيع قوانين تجرّم إنشاء ومشاركة صور التزييف العميق دون موافقة.

التزييف العميق: أداة للإساءة تستهدف النساء بشكل أساسي

تعرف تقنية التزييف العميق (Deepfakes) بأنها صور أو مقاطع صوتية أو مرئية يتم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي لتبدو وكأن شخصًا حقيقيًا قال أو فعل شيئًا لم يفعله في الواقع. في سياق الاعتداء الجنسي القائم على الصور، غالبًا ما يتضمن ذلك استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء محتوى جنسي مفبرك ومقنع لشخص ما دون موافقته.

في بعض الحالات، تُستخدم التكنولوجيا لتعديل صور عادية مأخوذة من وسائل التواصل الاجتماعي وتحويلها إلى صور إباحية. بينما تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي الأخرى توليد محتوى جنسي مفبرك بالكامل بناءً على وصف نصي. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الإساءة تستهدف النساء بشكل ساحق؛ حيث وجدت دراسة واسعة الانتشار أن 98% من مقاطع الفيديو المزيفة المنتشرة عبر الإنترنت ذات طابع إباحي وتستهدف النساء في الغالب. بالنسبة للناجيات من هذه الانتهاكات، تتجلى الآثار السلبية في الشعور بالإهانة، الخوف، القلق، فقدان السيطرة، وانتهاك الاستقلالية الجنسية، بغض النظر عما إذا كانت الصورة مولدة كليًا أم معدلة من صورة حقيقية.

فجوات في القانون النيوزيلندي الحالي

يهدف مشروع القانون الجديد إلى سد الثغرات الموجودة في القانون الحالي. ففي الوقت الراهن، لا يوجد في نيوزيلندا جريمة جنائية مخصصة لمحتوى التزييف العميق الجنسي. قد تنطبق القوانين الحالية، لكنها لم تُصمم لمواجهة الإساءات الناتجة عن الذكاء الاصطناعي. قانون الاتصالات الرقمية الضارة لعام 2015 (Harmful Digital Communications Act 2015) يجرم نشر الاتصالات الرقمية الضارة، وقد تم استخدامه بالفعل في قضية واحدة على الأقل شملت تزييفًا عميقًا ذا طبيعة جنسية. ومع ذلك، يتطلب هذا التجريم إثبات أن المدعى عليه كان لديه نية التسبب في ضائقة عاطفية شديدة وأن هذه الضائقة قد حدثت بالفعل، وهي عقبات قد تكون صعبة للغاية على الناجين من الاعتداء الجنسي القائم على الصور.

في عام 2022، تم إدخال جريمة جديدة ضمن القانون لمعالجة ما يعرف بـ "الصور الإباحية الانتقامية" (revenge porn)، حيث أصبح من المجرم مشاركة المحتوى البصري الحميمي دون موافقة. جاء ذلك مكملًا للجرائم القائمة في قانون الجرائم (Crimes Act). تم تقديم مفهوم "التسجيل المرئي الحميمي" في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين للتعامل مع التصوير السري بالكاميرات المخفية، استجابةً لسلوكيات مثل "upskirting" و "downblousing" التي تستهدف النساء والفتيات بشكل كبير في أماكن يتوقعن فيها الخصوصية، مثل الحمامات أو غرف تغيير الملابس. وبالتالي، ركز القانون على مسألة ما إذا كان الشخص قد تم تصويره سرًا. لكن التزييف العميق يعقّد هذا الإطار، نظرًا لاحتمالية عدم حدوث أي تسجيل على الإطلاق، مما يجعل القانون الحالي أكثر وضوحًا عندما تكون الصورة الحميمية حقيقية مقارنةً بالصور المفبركة بالكامل.

ما وراء التجريم: الحاجة إلى تنظيم التقنية

يسعى مشروع قانون التزييف العميق إلى إزالة هذا الغموض عبر توسيع التعريف القانوني لـ "التسجيل المرئي الحميمي" ليشمل الصور "المنشأة، المُركبة، أو المُعدلة". ومع ذلك، يعكس مشروع القانون أيضًا نمطًا أوسع في استجابة نيوزيلندا للاعتداءات الجنسية القائمة على الصور، حيث يتطور القانون فقط بعد أن تكشف التقنيات الجديدة عن ثغرات في الحماية القائمة. في البداية، كانت الكاميرات المخفية والتسجيلات السرية، ثم انتقلت إلى "الصور الإباحية الانتقامية"، والآن يأتي الذكاء الاصطناعي التوليدي. القانون الجنائي كان رد فعليًا ولم يتم تصميمه بشكل مستقبلي كافٍ ليغطي الأضرار الجنسية الجديدة التي تسهلها التكنولوجيا.

نظرًا للتطور السريع للتقنيات الجديدة، فإن تجريم المحتوى وحده لن يكون كافيًا لوقف انتشار التزييف العميق الجنسي. أدوات إنشاء التزييف العميق رخيصة، سريعة، وسهلة الوصول بشكل متزايد. لقد حدد تحقيق حديث عشرات التطبيقات التي تسمح بتجريد الملابس رقميًا (nudify) وتبديل الوجوه (face-swap) والمتوفرة عبر متاجر التطبيقات مثل Apple و Google. يمكن لهذه التطبيقات إنشاء صور جنسية من الصور العادية في غضون ثوانٍ. وعلى الرغم من أن سياسات متاجر التطبيقات تحظر المحتوى الجنسي الصريح أو المهين، إلا أن العديد من هذه الأدوات تظل متاحة بسهولة، وغالبًا ما تكون مموهة كتطبيقات لتعديل الصور.

معالجة تنظيم التطبيقات عالية المخاطر

تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي على مجموعات بيانات ضخمة يتم جمعها من الإنترنت، وغالبًا ما تتضمن صورًا لنساء وفتيات تُستخدم دون علمهن أو موافقتهن. والنتيجة هي أن أجساد النساء أصبحت بشكل متزايد المادة الخام لأنظمة الذكاء الاصطناعي وأهدافًا للإساءة الناتجة عنها. لهذا السبب، تحتاج نيوزيلندا إلى التفكير فيما هو أبعد من القانون الجنائي ومعالجة مسألة التنظيم. تتجه أستراليا نحو حظر تطبيقات ومواقع "nudify"، وكذلك المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. يجب على نيوزيلندا أن تحذو حذوها.

بشكل أوسع، يجب على نيوزيلندا النظر في وضع إطار تنظيمي لأنظمة الذكاء الاصطناعي عالية المخاطر، لا سيما تلك القادرة على إنشاء محتوى جنسي غير رضائي. قد يشمل ذلك وضع ضمانات سلامة إلزامية في أنظمة توليد الصور، وفرض التزامات أقوى على متاجر التطبيقات والمنصات التي توزع هذه الأدوات، ومتطلبات الشفافية فيما يتعلق ببيانات تدريب الذكاء الاصطناعي. يعد مشروع قانون الضرر الرقمي والاستغلال الناتج عن التزييف العميق خطوة مهمة إلى الأمام، ويجب على البرلمان تمريره. ولكن إذا أرادت نيوزيلندا معالجة الاعتداء الجنسي القائم على الصور بشكل فعال في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، فلا يمكن أن يكون القانون الجنائي نهاية المحادثة.

تحليل التأثير

يمثل تشديد القوانين في نيوزيلندا ضد المحتوى الجنسي المزيف بالذكاء الاصطناعي خطوة هامة نحو حماية الأفراد، خاصة النساء والفتيات، من الأذى الرقمي المتزايد. ومع ذلك، فإن النهج الذي يركز فقط على التجريم قد لا يكون كافيًا بالنظر إلى السرعة التي تتطور بها تقنيات الذكاء الاصطناعي وسهولة الوصول إلى أدوات إنشائها. إن النهج الشامل الذي يجمع بين التجريم وتنظيم التقنية نفسها، بما في ذلك فرض مسؤوليات على مطوري الأدوات والمنصات، وتنظيم مجموعات البيانات المستخدمة في التدريب، ووضع معايير السلامة، سيكون أكثر فعالية في الحد من انتشار هذا النوع من المحتوى الضار. كما أن التعاون الدولي وتبادل أفضل الممارسات في هذا المجال أمر بالغ الأهمية لمواجهة تحدٍ عابر للحدود.

الأسئلة الشائعة

ما هو التزييف العميق (Deepfake)؟
التزييف العميق هو تقنية تستخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء صور أو مقاطع فيديو أو صوت تبدو حقيقية لشخص يفعل أو يقول شيئًا لم يحدث في الواقع، وغالبًا ما يُستخدم في سياقات مسيئة مثل إنشاء محتوى جنسي مفبرك.
ما الهدف الرئيسي لمشروع قانون نيوزيلندا الجديد؟
يهدف مشروع القانون إلى تجريم إنشاء أو مشاركة أو بيع المواد الجنسية المفبركة بتقنية التزييف العميق دون موافقة الشخص المعني، وسد الثغرات القانونية الحالية المتعلقة بهذه الإساءات الرقمية.
لماذا لا يكفي تجريم التزييف العميق الجنسي وحده؟
نظرًا للتطور السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي وسهولة الوصول إلى أدوات إنشائها، يُعتقد أن التجريم وحده غير كافٍ. هناك حاجة ملحة لتنظيم التقنية نفسها، ووضع ضوابط على التطبيقات والمنصات، وضمانات سلامة في أنظمة الذكاء الاصطناعي.
من هم الفئات الأكثر تضررًا من التزييف العميق الجنسي؟
تشير الدراسات والتقارير إلى أن النساء والفتيات هن الفئات الأكثر تضررًا من التزييف العميق الجنسي، حيث يستهدف المحتوى المفبرك أجسادهن ويسبب لهن أضرارًا نفسية واجتماعية بالغة.
فاطمة
فاطمة علي

تقدم رؤى متعمقة حول الأسواق المالية العالمية وتوجهات الاستثمار.

تعليقات المستخدمين