كشفت دراسة حديثة أجريت في منطقة باليوز، الواقعة بين ولايتي واشنطن وأيداهو الأمريكيتين، عن مستويات مقلقة للإصابة بفيروس هانتام، وتحديداً فيروس سينومبر (Sin Nombre virus)، المسؤول عن متلازمة هانتام الرئوية. أظهرت النتائج أن حوالي 26% من فئران الغزلان (Deer mice) التي تم فحصها أظهرت دليلاً على إصابة سابقة، بينما كانت نسبة 10% منها مصابة بالفيروس بشكل نشط وقت التقاطها. شكلت هذه الأرقام مفاجأة للباحثين، خاصة وأن المنطقة الغربية من الولايات المتحدة تفتقر إلى بيانات جينومية شاملة حول هذا الفيروس، على الرغم من تسجيل 109 حالات إصابة بشرية بمتلازمة هانتام الرئوية في ولايات واشنطن وأوريغون وأيداهو منذ عام 1993.
يُعرف فيروس سينومبر، الذي يعني اسمه بالإسبانية "الفيروس الذي لا اسم له"، بقدرته على التسبب في فشل رئوي حاد ومفاجئ لدى البالغين الأصحاء. ينتقل الفيروس بشكل أساسي من خلال فئران الغزلان، ويتم إفرازه في بولها، برازها، ومواد عشها. يمكن للبشر الإصابة بالعدوى عند استنشاق جزيئات الفيروس المتطايرة عند إزعاج أماكن تواجد القوارض، مثل تنظيف حظيرة متربة أو فتح منزل مغلق لفترة طويلة. بين عامي 1993 و 2022، سجلت الولايات المتحدة 864 حالة إصابة بشرية بمتلازمة هانتام الرئوية، بمعدل وفيات يقارب 36%، مما يجعله مرضاً غير شائع ولكنه خطير.
غموض فيروس هانتام وانتشاره غير المتوقع
تزيد الدراسة الجديدة من تعقيد فهمنا لانتشار فيروس سينومبر، حيث لم تقتصر النتائج المفاجئة على فئران الغزلان فحسب، بل شملت أيضاً أنواعاً أخرى من القوارض. فقد أظهرت الدراسة أن 50% من فئران الأراضي الجبلية (Montane voles) أظهرت دليلاً على إصابة سابقة، و 22% منها كانت مصابة بالفيروس بنشاط. تُعد فئران الأراضي الجبلية ليست الخزان الأساسي المعروف لهذا الفيروس، مما يشير إلى ديناميكية أكبر في انتقال الفيروس مما كان يُعتقد سابقاً.
صرحت ستيفاني سيفرت، قائدة فريق البحث في كلية بول ألين للصحة العالمية بجامعة ولاية واشنطن، بأنهم تفاجأوا بمدى انتشار الفيروس محلياً وقلة البيانات المتاحة للمنطقة الشمالية الغربية. وأضافت أنهم ما زالوا في بداية فهم مدى تعقيد وتوسع هذا الفيروس في مجتمعات القوارض المحلية.
إعادة تشكيل الفيروس والتنوع الجيني
تكمن أهمية نتائج دراسة باليوز في تحليل التسلسل الجيني للفيروس، حيث قام الفريق بتسلسل جينومات فيروس سينومبر الكاملة من عشرة حيوانات فردية، بما في ذلك اثنين من فئران الأراضي الجبلية. هذه التسلسلات الجينية هي الأولى من نوعها الكاملة من هذه المنطقة، وتشير إلى ظاهرة "إعادة التشكيل" (reassortment) للفيروس. مثل فيروسات الإنفلونزا، يمتلك فيروس هانتام جينومات مجزأة، مما يسمح له بتبادل أجزاء جينية عند إصابة خليتين بفصيلين مختلفين، مما ينتج عنه سلالات هجينة جديدة. أظهر التحليل الوراثي تباعداً في مواقع مختلفة عبر مقاطع الجينوم الثلاثة، وهو ما يعد دليلاً قوياً على حدوث هذا الخلط في البرية.
ربطت التحليلات الوراثية تسلسلات باليوز بشكل وثيق مع جينومات فيروس سينومبر التي تم جمعها من ولاية مونتانا في الفترة من 2008 إلى 2009. وتشير إعادة بناء المسار الجغرافي الوبائي إلى أن الفيروس قد يكون انتقل إلى واشنطن من مونتانا في حوالي عام 1915، مع هامش عدم يقين يصل إلى عقود. في حين أن تأثير هذه إعادة التشكيل على خطر الإصابة البشرية لا يزال غير واضح، إلا أنه يعني أن الفيروس يتنوع بنشاط، وأن أنواعاً متعددة من القوارض قد تتبادله. كما أن المكتبة الجينية المرجعية الحالية، التي تحتوي على أقل من 100 تسلسل جينومي كامل لفيروس سينومبر من جميع أنحاء الولايات المتحدة، غير كافية على الإطلاق لتتبع ما يحدث.
عوامل إضافية ودوافع البحث
أحد الجوانب اللافتة في الدراسة هو اكتشاف أن القوارض الذكور كانت أكثر عرضة للإصابة بالفيروس بنحو تسع مرات من الإناث. وعلى الرغم من أن السبب الدقيق لهذا النمط غير مفهوم تماماً، إلا أنه قد يتعلق بسلوك الذكور من حيث التنقل والمناطق التي تتجول فيها، مما يزيد من احتمالية مواجهتها مع أفراد مصابين من نفس النوع. هذا النمط ثابت في ديناميكيات فيروس سينومبر وقد يكون مهماً عند نمذجة مخاطر التعرض.
تطرح هذه النتائج سؤالاً مهماً حول الجانب البشري: بالنظر إلى الانتشار المرتفع للفيروس في القوارض، لماذا تظل الحالات البشرية نادرة نسبياً؟ يعتقد الباحثون أن جزءاً من التفسير يكمن في أن العدوى الخفيفة أو عديمة الأعراض قد لا يتم اكتشافها، حيث أن اختبارات فيروس هانتام غالباً ما تُجرى للحالات الشديدة فقط. إن فهم كيفية تحول التعرض للفيروس إلى مرض هو الخطوة التالية الحاسمة في هذا المجال.
يمثل هذا تحدياً مألوفاً في مراقبة الأمراض المعدية الناشئة، حيث تتركز الحالات المكتشفة على الأشكال الشديدة، بينما تظل معدلات العدوى الخفيفة أو التي لا تسبب أعراضاً واضحة غير مرئية حتى يتم البحث عنها بشكل خاص باستخدام الأدوات المناسبة. تفتقر المنطقة الشمالية الغربية حالياً إلى دراسات وبائية شاملة على البشر، ويرجع ذلك جزئياً إلى نقص التمويل المستمر لمثل هذه المراقبة الإقليمية. يأمل فريق جامعة ولاية واشنطن في توسيع نطاق أبحاثهم إذا توفر المزيد من التمويل.
في غضون ذلك، تظل النصائح العملية للأشخاص الذين يقضون وقتاً في المزارع أو المباني الخارجية أو أي أماكن قد تتواجد فيها القوارض كما هي على مدى العقود الثلاثة الماضية: تهوية الأماكن المغلقة قبل الدخول، تجنب الكنس الجاف، استخدام المسح الرطب بدلاً من إثارة الغبار، والتعامل مع أي مكان تفوح منه رائحة القوارض بحذر مناسب. البيانات الجديدة تذكّر بأن مسبباً مرضياً خطيراً، يزدهر ويتنوع في حقول ومزارع الريف الشمالي الغربي، كان خارج السجل الجيني إلى حد كبير، وأننا كنا، حتى الآن، نعمل في حالة من العمى الفعلي.