في خطاب ألقاه خلال مؤتمر الحزب الشيوعي الجنوب أفريقي (SACP) "مؤتمر اليسار" الذي عُقد في بوكسبرغ بإقليم غوتنغ، حذر توني ينغيني، نائب رئيس حزب "مخترو كومتوي" (MK Party)، من محاولات الأحزاب السياسية الأخرى، وتحديداً التحالف الديمقراطي (DA) وحزب الحرية (FF Plus)، لتقويض الإنجازات التي تحققت بعد إنهاء الفصل العنصري. وأكد ينغيني على أهمية الوحدة بين القوى اليسارية والطبقة العاملة في جنوب أفريقيا، معتبراً أن هذه الأحزاب تسعى جاهدة للحفاظ على امتيازات الحقبة الاستعمارية والتراجع عن مكتسبات الديمقراطية الحديثة.
وشدد ينغيني على أن حزب MK يفتخر بالانتماء والمشاركة في هذا المؤتمر، مؤكداً الالتزام ببناء وتعزيز الوحدة والتضامن بين الأغلبية السوداء. وأوضح أن المؤتمر يحمل على عاتقه مسؤولية استعادة ومواصلة المهمة التاريخية للنضال الثوري، وذلك بتوحيد الأغلبية السوداء للسيطرة على السلطة السياسية وإدارة شؤون البلاد، وتحقيق تطلعات الشعب وآماله النبيلة. وأشار إلى أن هذه الدعوة للوحدة تأتي استجابة لتوجيهات الرئيس السابق جاكوب زوما، الذي أكد على ضرورة تكاتف الأغلبية السوداء للاستيلاء على السلطة السياسية. وينعكس هذا التوجه في سعي حزب MK لبناء تحالفات مع كافة القوى التقدمية في البلاد لتحقيق هذا الهدف.
الدعوة لتوحيد القوى التقدمية واستعادة السلطة السياسية
أوضح ينغيني أن الحضور إلى المؤتمر لا ينبع من مجرد مشاعر ودية، بل هو استجابة لهدف استراتيجي يتمثل في استلام السلطة السياسية، واستخدامها لتحرير الشعب. وشدد على ضرورة أن يخرج المؤتمر بقرارات قوية ووحدة متينة للقوى اليسارية في البلاد. واقترح تشكيل مجلس ثوري يدير شؤون المؤتمر، على أن يكون هذا المجلس خاضعاً لسلطة المؤتمر باعتباره الهيئة العليا للمنصة اليسارية، والتي تجتمع بشكل دوري. يجب أن يسترشد هذا المجلس الثوري بمجموعة من المبادئ الأساسية، وعلى رأسها استعادة ملكية الأرض لأصحابها الشرعيين، وإعادة كرامة الشعب وقيادته التقليدية، وهي المطالب التاريخية للأغلبية السوداء.
وأضاف ينغيني أن المبدأ التوجيهي الثاني للمنصة اليسارية يجب أن يتمحور حول الحرية الاقتصادية، لضمان أن يخدم الاقتصاد تطلعات الأغلبية السوداء بشكل أساسي. ويجب أن تمتلك الأغلبية السوداء المؤسسات الاقتصادية الرئيسية كالقطاع المصرفي، والمناجم، والمزارع، والمصانع. وشدد على ضرورة وضع الأغلبية السوداء في صميم الاقتصاد، وليس على هامشه. ويجب أن تسترشد هذه المنصة اليسارية بجهود سياسية ديمقراطية، غير عنصرية، ومناهضة للاستعمار والإمبريالية. وأكد مجدداً على أن المنصة اليسارية يجب أن تعمل جماعياً نحو تولي السلطة السياسية، واستخدام هذه السلطة لتدمير فعالية نظام الفصل العنصري والعنصرية، وتشكيل دولة قوية تتدخل بحزم لخدمة مصالح الأغلبية.
إعادة هيكلة أجهزة الدولة وتعزيز سيادة الشعب
وأشار ينغيني إلى ضرورة إعادة هيكلة جميع أجهزة الدولة، دون استثناء، لتخدم الشعب. وأكد أن البرلمان يجب أن يصبح في الواقع هيئة لسلطة الشعب وسيادته، وأن يتم انتخاب ممثلي البرلمان ديمقراطياً من قبل الشعب لتغيير السياسات والقوانين بما يخدم مصالح المحرومين. يجب أن تكون قرارات البرلمان نهائية، وألا تتجاوز أي جهة أخرى سلطة البرلمان. يجب أن يكون البرلمان هو الحكم النهائي وصانع القرار الذي يمثل السيادة النهائية للشعب. كما شدد على أن أمن المواطنين وسلامتهم أمر بالغ الأهمية، وأن سلامة حدود البلاد يجب أن تضمنها الدولة.
وأكد على ضرورة شن حرب شاملة من قبل الشعب والدولة ضد الجريمة والفساد لضمان سلامة وأمن الشعب، وأن يكون الجميع متساوين أمام القانون، وأن يخدم القانون جميع الناس على قدم المساواة. لا يجب أن يكون أي شخص، بغض النظر عن مكانته، فوق القانون. يجب أن يخدم القانون الشعب دائماً، وليس العكس. ودعا إلى العيش بسلام مع الجيران، والسعي للتعاون وبناء علاقات اقتصادية قوية وتجارة في جميع أنحاء القارة الأفريقية.
الوحدة الأفريقية ضد العدوان والاستغلال
وفقاً لتوني ينغيني، فإن وحدة الشعب الأفريقي في جميع أنحاء القارة تمثل أولوية قصوى. ووصف الوحدة الأفريقية، ووحدة القارات الأخرى ضد الحرب والعدوان والاستبداد من أجل التنمية الاقتصادية والسلام والتضامن بأنها مسألة ملحة وذات أهمية بالغة. وأكد أن برنامج العمل الذي سيتم اتباعه وتنفيذه بشكل مشترك يجب أن ينبثق عن هذه المبادئ التوجيهية، مشدداً على أهمية العمل وفقاً لمبادئ واضحة وتقدمية وثورية. وأوضح أن التشكيلات اليسارية يجب أن تمثل التطلعات التاريخية للجماهير المضطهدة والمستغلة في جنوب أفريقيا.
وشدد على أن هذه التشكيلات يجب أن تقف بلا اعتذار إلى جانب الفقراء والمهمشين، بما في ذلك الطبقة العاملة، والجماهير الريفية، والعاطلين عن العمل، والنساء، والشباب، والقطاعات التقدمية من الطبقات الوسطى. وأن مهمتها الأساسية هي تحقيق التحرر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي الكامل للأغلبية السوداء. ويعني التقدم، في هذا السياق، ليس فقط الالتزام بالنضالات المحلية، بل أيضاً التضامن الثابت مع القوى الأفريقية والكونية التقدمية، ومقاومة الإرهاب، والاستعمار الجديد، والهيمنة، والاستغلال الرأسمالي.
نقد الأحزاب المحافظة ودورها في عرقلة التقدم
قال ينغيني إن تحرير جنوب أفريقيا لا يمكن فصله أبداً عن تحرير وتنمية أفريقيا ككل. وفي سياق بلاده، أشار إلى أن التحالف الديمقراطي (DA) وحزب الحرية (FF Plus)، إلى جانب نظائرهم، يمثلون الشرائح الأكثر رجعية في المجتمع، وهي قوى متجذرة في الدفاع عن الامتيازات الاستعمارية، وثقافة الاحتكار الأبيض، والهيمنة النيوليبرالية. وأضاف أن مشاريعهم السياسية تهدف إلى إضعاف وتفتيت، وفي النهاية عكس مكاسب نضال التحرير. وأن أجندتهم متشابكة بعمق مع مصالح رأس المال الدولي والشبكات الإمبريالية، التي تعمل باستمرار على تعبئتهم وحمايتهم لإضفاء الشرعية عليهم.
وأكد ينغيني، بصفته عضواً في اللجنة التوجيهية للمؤتمر، أن الاقتصاد الجنوب أفريقي لا يزال يحمل طابعاً استعمارياً واستعمارياً جديداً بشكل أساسي. وأن ثروة البلاد تستمر في التركز بيد أقلية ضئيلة، بينما تظل الأغلبية السوداء محرومة ومهمشة. لذلك، تتقدم الجبهة اليسارية بهدف استراتيجي يتمثل في إعادة هيكلة الاقتصاد ليخدم مصالح الأغلبية، وليس احتكارات رأس المال الخاص الأجنبي. ولتحقيق تحرر اقتصادي حقيقي، يجب أن تنتقل ملكية الأراضي والثروات المعدنية إلى الشعب، بقيادة الأغلبية السوداء. وأن الظلم التاريخي المتمثل في نزع ملكية الأراضي لا يمكن معالجته أبداً من خلال إصلاحات سطحية أو حلول مدفوعة بالسوق.
استعادة دور القيادة التقليدية ومواجهة أزمة الرأسمالية
وشدد على ضرورة استعادة وحماية كرامة وسلطة ودور القيادة التقليدية التاريخي. وأوضح أن القادة التقليديين يظلون أوصياء على الأرض والثقافة والعادات والتراث الروحي للشعوب الأفريقية، ويجب أن يحتلوا مكانة محترمة ضمن البنية الديمقراطية والتنموية لمجتمعنا. وأكدت الجبهة اليسارية أن الديمقراطية الحقيقية لا يمكن اختزالها في مجرد إجراء انتخابات كل خمس سنوات.
من جانبه، قال الأمين العام للحزب الشيوعي الجنوب أفريقي ورئيس اللجنة التوجيهية للمؤتمر، سوللي مابايلا، إن المؤتمر لا يمكن أن يتحول إلى مجرد منتدى للإعلانات المجردة أو الخطابات البلاغية. وأكد أنه يجب أن يخرج كأداة جادة للتنسيق السياسي، والوضوح الأيديولوجي، والتعبئة العملية للطبقة العاملة. وأوضح أن مهمتهم ليست مجرد إدارة أزمة الرأسمالية أو جعلها أكثر إنسانية، بل التنظيم لهزيمتها. وهذا يتطلب وحدة مبدئية لقوى اليسار، وليس وحدة مبنية على الغموض أو تجنب الأسئلة السياسية الصعبة، وبالتأكيد ليس وحدة مختزلة في الراحة الفكرية لمنظمات مختلفة.
وفقًا لمابايلا، فإن الوحدة بين القوى اليسارية أمر بالغ الأهمية. وأكد على ضرورة إنهاء هذا التفتت، وأن الوحدة يجب أن تُصاغ من خلال النضال المتجذر في الفهم المشترك بأن الصراع الطبقي يظل الدافع الحاسم للتاريخ، وأن تحرير الطبقة العاملة لا يمكن تحقيقه إلا بالقوة المنظمة للطبقة العاملة نفسها. وأنه لا يمكن حدوث أي تحول اجتماعي ذي مغزى دون مواجهة علاقات القوة الرأسمالية المتجذرة وعلاقات القوة المجتمعية على كل مستوى، سواء كان اقتصادياً أو سياسياً أو أيديولوجياً. وبالتالي، فإن هذا يضع مسؤولية خاصة على هذا المؤتمر، فهم ليسوا مجرد أوصياء على عملية، بل بناة لاتجاه سياسي، وإعادة تنظيم للطبقة العاملة لثورة جديدة.
الخاتمة: مسؤولية بناء الوحدة لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية
وأكد مابايلا أنه لا تراجع، وأن الطريقة الوحيدة للخروج من هذا المأزق الرأسمالي والأزمة التي خلقها لجموع الطبقة العاملة هي من خلال تنظيم يساري منسق. وأوضح أن الطبقة العاملة لا تحتاج إلى طبقة أخرى من الإجراءات، ولا إلى استشارات لا نهاية لها لا تسفر عن أي حركة. بل تحتاج إلى قيادة قادرة على ترجمة التحليل إلى تنظيم، وقيادة قادرة على تحويل هذا التنظيم إلى خطوات ملموسة في مجتمعاتنا. لذلك، يتطلب الأمر بناء تضامن منسق مع نضالات العمال وخطوات الطبقة العاملة على كل مستوى.
من جانبها، صرحت جمعية العاطلين عن العمل (UPA)، التي تدافع عن حقوق العاطلين عن العمل، أن "مؤتمر اليسار" يأتي في لحظة حاسمة في تاريخ البلاد. وأشار أمينها العام، ريموند ماسيكو، إلى أن جنوب أفريقيا لا تزال تواجه تفاقم البطالة والفقر وعدم المساواة والجوع والتشرد والإقصاء الاقتصادي الذي يؤثر على ملايين الأشخاص، وخاصة الطبقة العاملة والعاطلين عن العمل والنساء والشباب والتجار غير الرسميين والمجتمعات المهمشة. وقال إن العاطلين عن العمل يظلون الضحايا المنسيين لنظام اقتصادي يواصل تركيز الثروة في أيدي قلة قليلة، بينما يكافح الغالبية من أجل البقاء والكرامة.
وبالتالي، تعتبر المنظمة هذا المؤتمر ليس مجرد تجمع سياسي، بل منصة عاجلة لإعادة بناء الوحدة التقدمية، وتعزيز البدائل التي تركز على الإنسان، واستعادة المهمة الثورية للتحول الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الحقيقي. ووفقًا لتقرير، ارتفع معدل البطالة في جنوب أفريقيا إلى 32.7٪ في الربع الأول من عام 2026، مقارنة بـ 31.4٪ في الربع السابق. وأكد ماسيكو أن الحركة التقدمية تتحمل مسؤولية تاريخية للتوحد حول برنامج مشترك يهدف إلى الدفاع عن الفقراء، وحماية العمال، وتعزيز العدالة الاقتصادية، ومواجهة الجذور الهيكلية للبطالة والاستغلال. وأضاف أن التاريخ سيحكم على هذا الجيل ليس بخطاباته وحدها، بل بقدرته على بناء وحدة مبدئية في العمل. وأعرب عن اعتقاده بأن شعب جنوب أفريقيا يتوق إلى قيادة أخلاقية، وصدق ثوري، وبرنامج متماسك قادر على مواجهة هيمنة الشركات، والفساد، وسيطرة الدولة، والظلم الاقتصادي، ومعاناة الفقراء. ومن بين الحاضرين في المؤتمر ممثلون عن حزب MK، وحزب EFF، وCOSATU، وحزب PAC، وAZAPO، وUAT، وNUMSA، وSANCO.