6 دقيقة قراءة
تداعيات الحرب الإسرائيلية على القطاع الزراعي في غزة: دمار شامل وجهود إنقاذ مستمرة

تداعيات الحرب الإسرائيلية على القطاع الزراعي في غزة: دمار شامل وجهود إنقاذ مستمرة

فهرس المحتويات

قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية، كان القطاع الزراعي في قطاع غزة يُعرف بإنتاجه الوفير من الفواكه والخضروات، وكان يُطلق عليه مرارًا وتكرارًا "سلة غذاء" القطاع. على الرغم من القيود الإسرائيلية المكثفة التي أعاقت نمو القطاع، بما في ذلك تحديد دخول المدخلات الزراعية وصادرات البضائع، إلا أن المزارعين في غزة تمكنوا من إنتاج 25 صنفًا متنوعًا من الفواكه والخضروات، مما لبى جزءًا كبيرًا من احتياجات السوق المحلية، وصدر جزءًا من إنتاجهم إلى الدول العربية والأوروبية، ووفر فرص عمل لنحو 560 ألف شخص. لكن الحرب الإسرائيلية الحالية قد أدت إلى دمار شامل لهذا القطاع، حيث بات ما يقرب من 90 بالمائة من الأراضي الزراعية غير صالحة للاستخدام بسبب القصف، أو التجريف، أو الاستيلاء عليها ضمن ما يسمى بـ "الخط الأصفر".

يشير الخبراء إلى أن القصف المكثف يؤدي إلى تلوث التربة بالمواد الكيميائية السامة الناتجة عن مخلفات المتفجرات، مثل الرصاص والزئبق والنحاس والكروم. هذه المعادن الثقيلة تتراكم في التربة، مما يعيق قدرة النباتات على امتصاص العناصر الغذائية الأساسية ويقلل من إنتاجية المحاصيل. من الأراضي الواقعة خارج السيطرة الإسرائيلية، لا تزال 5 بالمائة فقط صالحة للزراعة. إنتاج الغذاء أصبح قاصرًا عن تلبية احتياجات السكان بشكل كبير. تفاقمت الأزمة بسبب التدمير الواسع النطاق للبنية التحتية الزراعية، حيث تم تدمير أكثر من 1,100 بئر و 450 ألف متر طولي من شبكات الري، بالإضافة إلى حوالي 12,500 بيت زجاجي. وتواصل إسرائيل عرقلة دخول المدخلات الزراعية الأساسية، بما في ذلك الأسمدة والبذور والمبيدات وقطع غيار الآلات الزراعية، مما يعيق بشدة أي جهود لاستعادة الإنتاج الزراعي.

الدمار الشامل للقطاع الزراعي في غزة

تدمير الأراضي والموارد المائية

يُنظر إلى تدمير الأراضي الزراعية من قبل العديد من الفلسطينيين على أنه هدف إسرائيلي متعمد منذ بدء الحرب على غزة في 7 أكتوبر 2023، بهدف إضعاف الأمن الغذائي في القطاع، وتقويض قدرته على تحقيق الاكتفاء الذاتي، وتعميق الاعتماد الاقتصادي على إسرائيل. وفقًا لتقارير متخصصة صادرة عن وزارة الزراعة الفلسطينية، بلغت المساحة الإجمالية للإنتاج النباتي المدمر بسبب الحرب الإسرائيلية على غزة حوالي 167 ألف دونم (ما يعادل حوالي 41,267 فدانًا)، تشمل 78 ألف دونم من الخضروات، و 14 ألف دونم من المحاصيل الحقلية، و 75 ألف دونم من زراعة الأشجار. وتقدر الخسائر في الإنتاج النباتي بحوالي 459 ألف طن، بقيمة تزيد عن 325.5 مليون دولار، بينما بلغت خسائر التصدير حوالي 67 مليون دولار.

إن الأضرار التي لحقت بالأراضي والمياه لا يمكن تصورها. فقد تسبب القصف والتجريف في تلوث التربة وتدهور جودتها بشكل كبير. كما أن تدمير الآبار وشبكات الري يمثل ضربة قاصمة للقطاع، حيث يعتمد المزارعون بشكل كبير على هذه المصادر لتوفير المياه اللازمة للمحاصيل، خاصة في ظل الظروف المناخية القاسية. استعادة هذه البنية التحتية يتطلب استثمارات ضخمة ووقتًا طويلاً، وهو ما يمثل تحديًا إضافيًا في ظل الحصار المفروض على القطاع.

خسائر اقتصادية وصعوبات استيراد المدخلات

الخسائر الاقتصادية المباشرة للقطاع الزراعي في غزة هائلة، حيث تقدر بعشرات الملايين من الدولارات. لم تقتصر الخسائر على الإنتاج النباتي فحسب، بل امتدت لتشمل تدمير الآلاف من البيوت الزراعية، ومعدات الري، والآلات الزراعية. يضاف إلى ذلك، فإن القيود الإسرائيلية المستمرة على استيراد المدخلات الزراعية الحيوية، مثل الأسمدة، والبذور، والمبيدات، وقطع غيار المعدات، تزيد من تفاقم الأزمة. يعتمد المزارعون الآن على مخزونات قديمة ومنتهية الصلاحية، مما يقلل من فعالية الإنتاج ويزيد من تكاليفه. كما أن نقص الأسمدة العضوية، التي كانت تعتمد في السابق على مخلفات الحيوانات، أصبح مشكلة كبيرة بعد أن دمرت الحرب قطاع الثروة الحيوانية.

هذه التحديات مجتمعة تضع ضغطًا هائلاً على المزارعين، مما يجعل من الصعب عليهم المنافسة مع المنتجات المستوردة التي تصل إلى السوق بأسعار أقل بكثير. إن استمرار هذه القيود والحصار يهدد بقاء الزراعة المحلية وقدرتها على تحقيق أي مستوى من الاكتفاء الذاتي.

جهود الإنعاش المبذولة

إعادة تأهيل المشاتل وتعزيز الأمن الغذائي

على الرغم من الدمار الهائل، بدأت جهود إنعاش القطاع الزراعي فور سريان وقف إطلاق النار المؤقت. يرى المزارعون والمهندسون الزراعيون أن زراعة الأرض هي جزء لا يتجزأ من ثقافتهم وهويتهم، وأنهم يمتلكون القدرة على البناء من العدم. أحد المشاريع الأولية يركز على إعادة تأهيل أكبر مشتل نباتي في مدينة غزة. قبل الحرب، كان هذا المشتل ينتج أكثر من 30 ألف شتلة لأكثر من 205 أنواع من الأشجار والنباتات الزينة، والتي كانت توزع على الحدائق والمرافق العامة والمستشفيات. تعرض الموقع للقصف والتجريف بالكامل، ولكنه الآن يخضع لعمليات ترميم تهدف إلى زيادة المساحات الخضراء في القطاع. وقد تمكنوا حتى الآن من إنتاج حوالي 7,000 شتلة نباتات زينة.

تداعيات الحرب الإسرائيلية على القطاع الزراعي في غزة: دمار شامل وجهود إنقاذ مستمرة

هذه الجهود، على الرغم من ضآلتها أمام حجم الدمار، تمثل بصيص أمل للمزارعين وعمال الزراعة، وتعكس الإصرار على إعادة الحياة إلى هذا القطاع الحيوي. إن توفير مساحات لإنتاج الشتلات وتنظيم دورات تدريبية لزيادة الوعي الزراعي هو خطوة أولى مهمة نحو استعادة القدرة الإنتاجية.

تعاون مع القطاع الخاص وتشجيع البستنة المنزلية

يتم تنفيذ مشروع ثانٍ بالتعاون بين بلدية غزة والمزارعين من القطاع الخاص. يهدف هذا المشروع إلى تجهيز المشاتل بالأدوات الزراعية، والتربة الخصبة، والعمالة الماهرة لإنتاج مجموعة واسعة من الشتلات. تشمل هذه الشتلات الخضروات مثل الطماطم والفلفل والكوسا والباذنجان والبصل، بالإضافة إلى الزهور والمحاصيل المعمرة مثل الحمضيات والعنب، وخاصة صنف "الشيخ عجلين" الذي اشتهر سابقًا في غزة. إن هذا التعاون يعكس أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مواجهة الأزمات.

تداعيات الحرب الإسرائيلية على القطاع الزراعي في غزة: دمار شامل وجهود إنقاذ مستمرة

بالإضافة إلى ذلك، يجري العمل على مشروع آخر مدعوم من صندوق عائلة الشوا، يهدف إلى تعزيز مفهوم البستنة المنزلية بين السكان. تشجع هذه المبادرة الأفراد على زراعة المساحات المتاحة لديهم، سواء كانت قطع أراضٍ صغيرة أو حتى أسطح منازلهم، لتحقيق درجة من الاكتفاء الذاتي في إنتاج الخضروات لأسرهم. هذه الخطوات تساهم في توفير الغذاء على المستوى الأسري وتقليل الاعتماد على المصادر الخارجية.

التحديات المستمرة والاحتياجات العاجلة

لا تزال التحديات التي تواجه المزارعين كبيرة. يواصل الاحتلال الإسرائيلي منع دخول المدخلات الزراعية الأساسية، ويعانون من نقص حاد في الأسمدة العضوية بسبب تدمير قطاع الثروة الحيوانية. كما أن التربة نفسها قد تضررت بشدة، وفقدت الكثير من خصوبتها والكائنات الدقيقة والفطريات المفيدة بسبب القصف، مما يقلل من الإنتاجية. بالإضافة إلى ذلك، يواجه المزارعون صعوبات في استخراج المياه من الآبار بسبب ارتفاع تكاليف الديزل ونقص أنظمة الطاقة الشمسية الفعالة. أصبح تشغيل الآلات الزراعية مكلفًا للغاية، حيث تكلف عملية تسوية الأرض باستخدام جرافة لساعة واحدة ما يصل إلى 400 دولار.

يبقى نقص الأراضي الصالحة للزراعة تحديًا حرجًا، حيث يسيطر الاحتلال الإسرائيلي على معظم المناطق التي كانت تستخدم للزراعة قبل الحرب. يضطر أكثر من مليوني فلسطيني إلى الاكتظاظ في 48 بالمائة فقط من قطاع غزة، مما أدى إلى نصب خيام على أراضٍ كان يمكن استغلالها زراعيًا. إن هذه التحديات تزيد من تكاليف الإنتاج وتقلل من المخرجات، مما يهدد استمرارية عمل المزارعين وقدرتهم على تحقيق الاكتفاء الذاتي. هناك حاجة ماسة وملحة إلى الوصول إلى المدخلات الزراعية الأساسية والمعدات، واستعادة الأراضي الزراعية، وتوفير الوقود للمعدات، وإنشاء الآبار وشبكات الري لتعزيز القطاع.

الأسئلة الشائعة

ما هو حجم الدمار الذي لحق بالقطاع الزراعي في غزة؟
بات حوالي 90% من الأراضي الزراعية في غزة غير صالحة للاستخدام بسبب القصف والتجريف، وتم تدمير بنية تحتية زراعية واسعة النطاق تشمل الآبار وشبكات الري والبيوت الزراعية.
ما هي أبرز التحديات التي تواجه استعادة القطاع الزراعي؟
تشمل التحديات الرئيسية تلوث التربة، ونقص المدخلات الزراعية الأساسية مثل الأسمدة والبذور، وارتفاع تكاليف التشغيل، ونقص المياه، وقيود الاحتلال الإسرائيلي على الاستيراد والوصول للأراضي.
ما هي جهود الإنعاش المبذولة حاليًا في غزة؟
تركز الجهود على إعادة تأهيل المشاتل، وتجهيزها بالأدوات والتربة لإنتاج الشتلات، وتعزيز مفهوم البستنة المنزلية، وتعاون مع القطاع الخاص لإنتاج مجموعة متنوعة من المحاصيل.
ما هي الاحتياجات الملحة لإنقاذ القطاع الزراعي؟
يحتاج القطاع إلى وصول فوري للمدخلات الزراعية والمعدات، وإعادة تأهيل الأراضي المتضررة، وتوفير الوقود للآلات، وإعادة بناء الآبار وشبكات الري لتمكين المزارعين من استعادة قدرتهم على الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
عمر
عمر رضا

مرشد موثوق نحو حياة صحية، مع التركيز على التغذية السليمة والرفاهية.

تعليقات المستخدمين