في ظل التطورات الاقتصادية العالمية المتسارعة، تبرز الحاجة الماسة إلى استراتيجيات مبتكرة وفعالة لمواجهة التحديات الاقتصادية التي قد تواجه الدول. وفي هذا السياق، يقترح الكاتب مارك ديكسون، مؤسس وكالة التصنيف الأخلاقي، خطة عمل جريئة تحت مسمى "حرب اقتصادية عالمية" تهدف إلى تقويض الاقتصاد الروسي. تأتي هذه الخطة كرد فعل على استمرار الصادرات النفطية الروسية، التي شهدت زيادة ملحوظة مؤخراً، مما يشير إلى فشل الجهود الاقتصادية الغربية الحالية في تحقيق الأثر المطلوب. يرى الكاتب أن الميزانية التي واجهتها روسيا في بداية العام لم تكن كافية لشل اقتصادها، بل إن الصادرات النفطية قد ارتفعت بنسبة 52% في مارس مقارنة بفبراير، مما حول الجهود الغربية إلى محاولات غير فعالة. كما أن رفع العقوبات على النفط الروسي من قبل بعض الأطراف قد عزز من العائدات الروسية، على الرغم من الهجمات الأوكرانية الأخيرة على المنشآت النفطية الروسية.
التحدي الأكبر الذي يواجه العالم اليوم هو تحقيق التوازن بين الديمقراطية والاستبداد، ويشكل الاقتصاد الروسي القوي عاملاً قد يرجح الكفة لصالح الأنظمة الاستبدادية. يؤكد الكاتب على أن المواجهة العسكرية المباشرة مع دولة نووية ليست خياراً مطروحاً، وبالتالي، فإن "الحرب الاقتصادية العالمية" تظهر كبديل استراتيجي فعال. الهدف هو وضع روسيا في موقف اقتصادي مشابه لما حدث خلال انهيار الاتحاد السوفيتي، مع التأكيد على أن روسيا لن تعود إلى الشيوعية. إن تدمير الاقتصاد الروسي من الخارج يبدو هو السبيل الوحيد لتحقيق هذا الهدف.
لماذا تفشل الجهود الغربية حالياً؟
لفهم الأسباب التي تجعل روسيا قادرة على تمويل حربها بالرغم من الجهود الغربية، يجب النظر إلى العقوبات بأبعادها الأربعة: أولاً، العقوبات طالت عدداً محدوداً من المنتجات الروسية. ثانياً، تم تطبيقها بشكل ضعيف. ثالثاً، فرضتها مجموعة محدودة من الدول. رابعاً، تم فصل جزء صغير فقط من النظام المصرفي الروسي. هذا النهج المجزأ أدى إلى نتائج مخيبة للآمال، حيث أصبحت الثغرات في العقوبات أكبر من العقوبات نفسها.
إن استمرار الوضع على ما هو عليه يعني أن روسيا لا تزال تمتلك القدرة على المناورة الاقتصادية، وهو ما يمنح الرئيس بوتين هامشاً من الأمان. يجب على الغرب أن يتحول من مجرد "قرص" للاقتصاد الروسي إلى اتخاذ إجراءات حاسمة وشاملة. الهدف النهائي هو دفع نظام بوتين نحو ما يمكن وصفه بـ "اقتصاد الجزيرة المنعزلة"، حيث تقتصر تعاملاته التجارية على الأنظمة الديكتاتورية الأخرى. على الرغم من الجهود المبذولة، تمكنت روسيا من تصدير ما قيمته 476 مليار دولار من السلع في عام 2024، وهو رقم قريب من ذروة عام 2022. هذا، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار النفط الأخيرة والاستثناءات التي تم منحها، يعني أن روسيا لا تزال لاعباً رئيسياً في سوق التصدير. هذه ليست سوى نقطة ضعف يمكن استغلالها بفعالية. فبدون التجارة، لن يكون بقاء روسيا اقتصادياً ممكناً، وبالتأكيد لن تكون قادرة على تحمل تكاليف حرب مستمرة.
استراتيجيات الفوز في الحرب الاقتصادية العالمية
تستند خطة "الحرب الاقتصادية العالمية" إلى خطة عمل من 10 نقاط، تهدف إلى إلحاق الضرر بروسيا وفي الوقت نفسه دعم أوكرانيا. كل خطوة من هذه الخطوات، التي يجب تنفيذها في أسرع وقت ممكن، ستعزز الأخرى لخلق عاصفة اقتصادية كاملة.
تتمثل "الإعصار" الأول في أربعة إجراءات ضرورية تتعلق بالنفط: أولاً، التوقف عن رفع العقوبات عن النفط الروسي، حيث أن هذا الأمر يخدم فقط روسيا في بيع نفطها المحتجز والهند في شراء النفط بأسعار زهيدة. ثانياً، فرض حظر تجاري حقيقي بدلاً من تحديد سقف لأسعار النفط الروسي، لأن تحديد السعر لا يضر بروسيا إذا كانت أسعار النفط الروسي الخام تتداول بأقل من السعر المحدد.
بعد حظر شحن النفط الروسي الخام إلى أي مكان تحت السيطرة الغربية، سيتم فرض عقوبات ثانوية على الدول التي لا تزال تحصل عليه بحراً أو عبر خطوط الأنابيب، مما يجبر هذه الدول على تقديم خصومات أعمق. فيما يتعلق بـ "الأسطول الظل" الروسي، الذي يمثل شريان الحياة البحري الأخير لروسيا، سيتم خفض سعره بشكل أكبر من خلال تجميد الأسطول المتنامي عبر عقوبات "حركة الكماشة" التي تستهدف شركات التأمين التي تغطي البضائع الروسية وأي موانئ تسمح للسفن غير المؤمن عليها بالرسو، ومعاقبة أي سفينة غير مؤمنة أو تساهم في التهرب. قد يكون النفط سلعة، لكن "نفط الدولة المنبوذة" سيعمل في سوق فرعية خاصة به مع فائض في العرض وانخفاض في الطلب، بسعر وهوامش ربح أقل بكثير. مثل الماس الملطخ بالدماء، سيعاني "النفط الملطخ بالدماء" من خصم، بغض النظر عن سعر النفط. يجب ألا نكون في وضع يسمح فيه تضخم أسعار النفط لجعل عدونا أكثر خطورة من خلال السماح له بأن يصبح أغنى.
يمثل "الإعصار" الثاني إنهاء العقوبات المجزأة عبر البعد المنتج بما يتجاوز النفط، وللتجارة والاستثمار في كلا الاتجاهين. يمكن أن يؤدي حظر بعض الواردات الروسية إلى توقف المصانع، مما يحدث تأثيراً مضاعفاً قوياً للألم الاقتصادي. أما "الإعصار" الثالث، فسيعمل على تعميم هذه الحظريات التجارية الغربية الجديدة على مستوى العالم من خلال عقوبات ثانوية تتكامل مع "الإعصار" الرابع، وهو أقصى قدر ممكن من عولمة عقوبات معاملات الصرف، مما يجعل التجارة أكثر صعوبة بشكل مضاعف عن طريق منع روسيا من إجراء المدفوعات وتلقيها. يجب أن يكتسح هذا الإعصار آليات الدفع البديلة التي قد تستخدمها روسيا. ستكون هذه الحظريات التجارية والاستثمارية والمعاملات الشاملة من جميع الجهات بمثابة الخطوة الأولى نحو إنشاء "سوق ديمقراطية موحدة".
سيُطلب من جميع الدول إما إغلاق تعاملاتها مع روسيا أو فقدان الوصول إلى الغرب، مما يؤدي إلى استقطاب العالم إلى كتلتين اقتصاديتين. "الإعصار" الخامس يتمثل في فرض الحظر عن طريق معاقبة الدول التي تستضيف مراكز التهرب التجاري. ويكمل هذا "الإعصار" السادس، الذي يمنح الشركات "واجباً" لإلحاق الضرر بروسيا. وهذا سيجبر، على سبيل المثال، شركات البرمجيات على نشر مفاتيح تعطيل للعملاء الروس، مع تحمل الحكومة التي تفرض العقوبات المسؤولية القانونية. يهدف "الإعصار" السابع إلى استنزاف العقول في روسيا بهدف تحويلها إلى اقتصاد سيئ الإدارة بشكل خاص. يجب أن تكون هذه استراتيجية تدمير اقتصادي نشطة، وليس سياسة هجرة سلبية. الفكرة مدروسة جيداً، لأنه إذا منع بوتين المواهب من المغادرة، فسوف يجعل فقط ألمع الروس يكرهونه.
أوكرانيا لها دور في خطتي لتدمير الاقتصاد الروسي: "الإعصار" الثامن يخرج الشركات التي تعمل مع روسيا من أوكرانيا ويصادر الشركات الروسية التي لا تزال هناك. "الإعصار" التاسع يجعل أوكرانيا مركزاً استثمارياً مع حوافز مدعومة من الغرب وتعزيزات إضافية لقطاع الدفاع؛ و"الإعصار" العاشر يحول أموال روسيا ضد نفسها عن طريق تحويل 300 مليار دولار من الأموال الروسية الموجودة في بلجيكا إلى أوكرانيا من خلال حل "قرض إعادة التوطين الأوكراني".
إن "الحرب الاقتصادية العالمية"، مقترنة بالنضال البطولي اليومي لأوكرانيا، إذا تم خوضها بنفس التصميم، يمكن أن تركع روسيا، وتزيل بوتين من الكرملين، وتمنح الحرية فرصة أفضل على الأرض. علاوة على ذلك، في وقت يتوق فيه جزء كبير من العالم إلى السلام العسكري، فإن الحرب الاقتصادية العالمية ستساهم في تقصير أمد الحرب في أوكرانيا. إن التعامل مع عدوك بلطف هو بمثابة إلقاء الجيل القادم إلى الريح.