في خطوة أثارت بعض الدهشة في الأوساط الفضائية، أطلقت الصين للمرة الأولى صاروخها الجديد من طراز "لونغ مارش 12بي" (Long March 12B) يوم الاثنين الموافق الأول من يونيو. تم الإطلاق من مركز جيوتشيوان لإطلاق الأقمار الصناعية في صحراء غوبي، دون سابق إنذار أو إعلان رسمي عن إغلاق المجال الجوي، وهو أمر غير معتاد مقارنة بالممارسات الشائعة لدى مشغلي إطلاق الصواريخ حول العالم.
هذا الإطلاق المفاجئ لم يكن هو المفاجأة الوحيدة، حيث حمل الصاروخ في رحلته الأولى حمولات وظيفية، تتمثل في قمرين صناعيين تابعين لكوكبة الإنترنت الصينية "تشيانفان" (Qianfan) والتي تعني "ألف شراع". تهدف هذه الكوكبة إلى أن تكون بمثابة النسخة الصينية من شبكة "ستارلينك" التابعة لشركة سبيس إكس. وقد نجح هذان القمران في الوصول إلى مدارهما بنجاح في المدار الأرضي المنخفض، بحسب ما أعلنت عنه المؤسسة الصينية لعلوم وتكنولوجيا الفضاء (CASC) في تحديث لها.
تطور تكنولوجيا الصواريخ الصينية
يُظهر صاروخ "لونغ مارش 12بي" تشابهاً كبيراً في التصميم مع صاروخ "فالكون 9" (Falcon 9) الذي تُعده شركة سبيس إكس، والذي يعتبر العمود الفقري لعمليات الإطلاق في الولايات المتحدة. يبلغ ارتفاع كلا الصاروخين حوالي 70 مترًا (230 قدمًا)، وكلاهما يتكون من مرحلتين، مع مرحلة أولى قابلة لإعادة الاستخدام تعمل بتسع محركات. وتستخدم محركات "لونغ مارش 12بي" وقود الكيروسين والأكسجين السائل، وهو نفس نوع الوقود الذي تستخدمه محركات "مرلين" (Merlin) في صواريخ "فالكون 9".
ومع ذلك، لم تُجرِ المؤسسة الصينية لعلوم وتكنولوجيا الفضاء محاولة لهبوط المعزز الأول لصاروخ "لونغ مارش 12بي" خلال رحلته التجريبية الأولى. وقد أشارت الشركة إلى أن هذه الخطوة الهامة "ستُنفذ في موعد لاحق"، مما يشير إلى أن القدرة على إعادة الاستخدام الكامل لا تزال قيد التطوير. هذا يتناقض مع سجل سبيس إكس الحافل، حيث نجحت الشركة في هبوط معززات "فالكون 9" لأكثر من 600 مرة حتى الآن، مما يمثل تقدمًا كبيرًا في تقليل تكاليف الإطلاق.
الجهود الصينية في مجال الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام
لا يُعد صاروخ "لونغ مارش 12بي" المحاولة الوحيدة للصين في مجال الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام. فقد سبق للصين أن أطلقت صاروخ "لونغ مارش 12إيه" (Long March 12A) في ديسمبر الماضي، والذي حاول الهبوط للمرة الأولى ولكن باءت المحاولة بالفشل، على الرغم من أن الصاروخ نفسه وصل إلى المدار بنجاح.
كما أن صاروخ "زهوكيه-3" (Zhuque-3) الخاص بشركة "لاند سبايس" (Landspace) الصينية، والذي يعتمد على مرحلة أولى قابلة لإعادة الاستخدام، قد سلك مسارًا مشابهًا في رحلته التجريبية الأولى في ديسمبر، حيث وصل إلى المدار ولكنه فشل في الهبوط.
ومن جهة أخرى، يتضمن صاروخ "تيان لونغ-3" (Tianlong-3) التابع لشركة "سبيس بايونير" (Space Pioneer) مرحلة أولى قابلة لإعادة الاستخدام أيضًا. وقد شهد هذا الصاروخ رحلة واحدة حتى الآن في الثالث من أبريل من هذا العام، لكنها انتهت بالفشل. ومن الجدير بالذكر أن صاروخ "تيان لونغ-3" قد اشتهر أيضًا في دوائر صناعة الفضاء بسبب إطلاقه العرضي خلال اختبار احتراق ثابت في يونيو 2024.
تتضمن قائمة الصواريخ الصينية الخاصة الأخرى قيد التطوير والتي تسعى لتحقيق قابلية إعادة الاستخدام، صاروخ "كاينتيكا-2" (Kinetica-2) من شركة "سي إيه إس سبيس" (CAS Space)، وصاروخ "بالاس-1" (Pallas-1) من "جالاكتيك إنرجي" (Galactic Energy)، وصاروخ "نيبولا 1" (Nebula 1) من "ديب بلو أيروسبيس" (Deep Blue Aerospace).
التداعيات الاستراتيجية
يمثل إطلاق صاروخ "لونغ مارش 12بي" خطوة هامة في طموح الصين لأن تصبح قوة فضائية رائدة. يشير التشابه مع "فالكون 9" إلى استيعاب الدروس المستفادة من التصاميم الناجحة، مع التركيز على بناء قدرات محلية قوية. إن قدرة الصين على تطوير ونشر صواريخ متقدمة، حتى مع وجود تحديات في إعادة الاستخدام، تؤكد على تقدمها السريع في قطاع الفضاء.
قد يؤدي النجاح المستقبلي في تحقيق الهبوط الآمن والقابل لإعادة الاستخدام للمعززات الصاروخية إلى خفض كبير في تكاليف الوصول إلى الفضاء، مما يفتح الباب أمام المزيد من المهام العلمية والتجارية. كما أن تطوير كوكبات إنترنت فضائية خاصة بالصين، مثل "تشيانفان"، يهدف إلى تعزيز قدراتها في مجال الاتصالات العالمية وتقليل اعتمادها على الشبكات الأجنبية.
إن التركيز المتزايد على الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، سواء من قبل الشركات الحكومية أو الخاصة، يعكس استراتيجية الصين الأوسع نطاقًا لتأمين مكانة قوية في سوق الفضاء العالمي، الذي يشهد منافسة متزايدة.