تمثل الخلايا البائية (B cells) محور المشكلات في العديد من أمراض المناعة الذاتية، حيث تقوم عن طريق الخطأ بتصنيع أجسام مضادة تستهدف الأنسجة السليمة بدلاً من مسببات الأمراض الغازية. ومع النجاح المتزايد للعلاج بالخلايا التائية ذات المستقبلات الكيميرية (CAR T) في مكافحة سرطانات الخلايا البائية، برزت فكرة منطقية مفادها أن هذا العلاج قد يكون قادرًا على القضاء على الخلايا البائية الضارة لدى المصابين بأمراض المناعة الذاتية.
يُعد العلاج بالخلايا التائية المعدلة وراثياً، والمعروف بتقنية CAR T، نهجاً علاجياً مبتكراً أحدث تحولاً جذرياً في علاج أنواع معينة من السرطانات، وخاصة تلك التي تنشأ من الخلايا البائية. تعتمد هذه التقنية على تعديل الخلايا التائية للمريض في المختبر، وذلك بتزويدها بمستقبلات كيميرية (CAR) قادرة على التعرف بدقة على بروتينات معينة توجد على سطح الخلايا السرطانية. بعد عملية التعديل والتكاثر، يُعاد حقن هذه الخلايا التائية المعززة في جسم المريض، حيث تبدأ بمهاجمة الخلايا السرطانية وتدميرها بفعالية.
آفاق علاج أمراض المناعة الذاتية باستخدام CAR T
قامت عيادة ألمانية بريادة تطبيق علاج CAR T في حالات المناعة الذاتية، حيث أظهرت نتائج إيجابية في عام 2021 لدى امرأة مصابة بمرض الذئبة، وفقاً لتقرير نشر في مجلة نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين. ومنذ ذلك الحين، كثف هذا الفريق البحثي وفرق أخرى جهودها لترجمة النجاحات التي حققها علاج CAR T في مجال علم الأورام لتطبيقها على طيف واسع من أمراض المناعة الذاتية.
في هذا السياق، تشير الدكتورة أماندا بيكيت، أخصائية أمراض المناعة العصبية بجامعة كولورادو أنشوتز، إلى أن هذا العلاج يمثل "نقطة تحول" في علاج هذه الحالات. وتُجري بيكيت حالياً تقييماً لعلاج CAR T لمتلازمة الشخص المتيبس، وهي حالة نادرة وغير مفهومة جيداً تتسم بتصلب العضلات ونوبات مؤلمة، ولا يوجد لها علاج معتمد من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA). وعندما علمت بوجود شركة تُدعى Kyverna تعمل على اختبار علاج CAR T لهذه المتلازمة، اعتبرت ذلك "فرصة مثالية".

الدراسة التي قادتها بيكيت، والتي نشرت نتائجها الأولية في ديسمبر 2025، اختبرت جرعة واحدة من علاج CAR T على 26 مريضاً. قبل العلاج، كان العديد من المشاركين يعانون من صعوبة في المشي وبطء في الحركة، وكان 12 منهم يعتمدون على أجهزة مساعدة مثل المشايات والعصي. بعد 16 أسبوعاً من العلاج، لوحظ تحسن ملحوظ في سرعة المشي لدى معظم المرضى، وتوقف ثمانية منهم عن استخدام الأجهزة المساعدة للمسافات القصيرة. وفي أبريل، أعلنت الشركة أن جميع المرضى الـ 26، بعد فترة متابعة تتراوح بين أربعة و12 شهراً من تلقي العلاج، لم يعودوا بحاجة لاستخدام أي علاجات مناعية أخرى، مما يؤكد فعالية العلاج.
المخاطر والتحديات المحتملة
على الرغم من هذه النتائج اللافتة، فإن إعادة برمجة جهاز المناعة ليست أمراً بسيطاً. في المراحل المبكرة من علاج مرضى السرطان، تسبب علاج CAR T في آثار جانبية مهددة للحياة. ووفقاً لمقال نُشر في عام 2026 ضمن مجلة Annual Review of Medicine، فإن الالتهاب المصاحب لهجوم خلايا CAR T على الخلايا المستهدفة يمكن أن يؤدي إلى أعراض حادة مثل الحمى الشديدة وانخفاض ضغط الدم. وفي حال امتد هذا الالتهاب إلى الدماغ، فقد يتسبب ذلك في مشاكل إضافية مثل الارتباك والنعاس، مما يستدعي مراقبة دقيقة للمرضى.
تتطلب هذه المخاطر المحتملة إجراء تقييمات دقيقة وشاملة للمرضى قبل الخضوع للعلاج، بالإضافة إلى مراقبة لصيقة أثناء فترة العلاج وبعده لضمان التعامل الفوري مع أي آثار جانبية قد تظهر. كما أن تطوير تقنيات CAR T أكثر أماناً وفعالية، تستهدف الخلايا المناعية المسببة للمرض بدقة أكبر مع تقليل الآثار الجانبية، يمثل محور الأبحاث المستقبلية في هذا المجال الواعد.