كشفت دراسة حديثة صادرة عن مركز أبحاث الاقتصاد والسياسات (CEPR) عن تداعيات وخيمة لتشديد الحصار الأمريكي على كوبا، حيث أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في معدل وفيات الرضع. وفقًا للتقرير، الذي قام بتحليله خبراء مثل ألكسندر ماين وجو ساموت ومارك ويزبروت، فقد شهدت كوبا زيادة بنسبة 148% في معدل وفيات الرضع بين عامي 2018 و2025. كانت كوبا في السابق من بين الدول الرائدة عالميًا في انخفاض معدل وفيات الرضع، حيث تراوح بين 4-5 حالات وفاة لكل 1000 مولود حي في منتصف العقد الماضي. ومع ذلك، بحلول عام 2025، ارتفع هذا المعدل إلى 9.9 حالة وفاة لكل 1000 مولود حي. ويقدر التقرير أنه لو استمر معدل وفيات الرضع على ما كان عليه في عام 2018، لكان قد تم إنقاذ حوالي 1800 رضيع.
يُلقي التقرير باللوم بشكل مباشر على السياسات التي اتخذتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، والتي شملت تشديد القيود الاقتصادية والدبلوماسية على الجزيرة. وأشار التقرير إلى أن هذه السياسات لم تؤثر فقط على القطاعات الاقتصادية الحيوية مثل السياحة، بل كان لها تأثير مدمر بشكل خاص على البنية التحتية للرعاية الصحية في كوبا. وتشمل هذه الآثار النقص الحاد في الأدوية والمعدات الطبية الأساسية، فضلاً عن انقطاع التيار الكهربائي المتكرر الذي يعطل عمل الأجهزة الحيوية، بما في ذلك الحاضنات للأطفال الخدج وأجهزة التنفس الصناعي للمواليد الجدد. كما فرضت الإدارة الأمريكية قيودًا على وصول كوبا إلى الأسواق المالية الدولية، وأعادت تصنيفها ضمن الدول الراعية للإرهاب، مما زاد من صعوبة حصولها على الموارد اللازمة.
التداعيات الصحية والاقتصادية للحصار الأمريكي
تأثير الحصار على قطاع الرعاية الصحية
لقد تسبب الحصار المفروض على كوبا في نقص حاد ومستمر في المعدات الطبية الحيوية والأدوية، مما أثر بشكل مباشر على قدرة المستشفيات والمراكز الصحية على تقديم الرعاية اللازمة. وفقًا للدكتور جو ساموت، الزميل الباحث في مركز أبحاث الاقتصاد والسياسات، فإن انقطاع التيار الكهربائي المتكرر، وهو نتيجة مباشرة لنقص الوقود بسبب الحصار، يشكل تهديدًا مميتًا للمرضى الذين يعتمدون على الأجهزة الطبية. وأوضح ساموت أن هذه الانقطاعات تعطل عمل الأجهزة التي لا غنى عنها مثل الحاضنات للمواليد المبتسرين، وأجهزة التنفس للمواليد الذين يعانون من صعوبات تنفسية، مما يرفع من احتمالات الوفاة بين الفئات الأكثر ضعفاً.
هذا الوضع الصحي المتدهور لا يقتصر على الرضع حديثي الولادة، بل يمتد ليشمل مرضى آخرين. فقد أشار تقرير سابق إلى أن ما يقرب من 100 ألف كوبي، بما في ذلك 11 ألف طفل، كانوا في قوائم انتظار لإجراء عمليات جراحية. كما لوحظ انخفاض كبير في معدلات البقاء على قيد الحياة لمرضى سرطان الأطفال، مما يعكس الأثر الواسع النطاق للحصار على النظام الصحي بأكمله.
الضغوط الاقتصادية وتقييد الموارد
تجاوزت تأثيرات الحصار الأمريكي حدود القطاع الصحي لتشمل الاقتصاد الكوبي بأكمله. فرضت إدارة ترامب سلسلة من القيود الصارمة التي قلصت بشكل كبير قطاع السياحة، الذي يعد مصدرًا هامًا للإيرادات للجزيرة. كما تم الحد بشدة من تصدير السلع إلى كوبا، بما في ذلك المنتجات الأساسية والأدوية. بالإضافة إلى ذلك، وضعت الولايات المتحدة كوبا مجددًا على قائمة الدول الراعية للإرهاب، مما يعيق وصولها إلى الأسواق المالية الدولية ويجعل المعاملات التجارية أكثر صعوبة وتعقيدًا.
لم تتوقف القيود عند هذا الحد، بل شملت أيضًا تقييد التحويلات المالية من الخارج، والضغط على الدول لإنهاء مشاركاتها في البعثات الطبية الكوبية، وفرض حصار على الوقود يمنع وصول النفط الفنزويلي إلى الجزيرة. هذه الإجراءات مجتمعة خلقت أزمة طاقة حادة، تميزت بانقطاع التيار الكهربائي على نطاق واسع، وزادت من معاناة السكان، وخاصة الفئات الأكثر فقرًا وضعفًا.
دعوات دولية لرفع الحصار
تأتي هذه الدراسة في وقت تتزايد فيه الأصوات الدولية المطالبة بإنهاء الحصار الأمريكي على كوبا. فقد أدانت الجمعية العامة للأمم المتحدة الحصار بشكل ساحق 33 مرة، واصفة إياه بأنه إجراء غير إنساني. وقد صرح الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا مؤخرًا داعيًا إلى وقف هذا الحصار، مؤكدًا أن مشاكل كوبا هي مشاكل كوبية وليست شأنًا خارجيًا.
قال مارك ويزبروت، المشارك في الدراسة، إن العقوبات الاقتصادية غالبًا ما تستهدف السكان المدنيين، بهدف تحقيق تغيير في النظام، وهو ما يمكن أن يزيد بشكل كبير من معدلات الوفيات. وأضاف أن فرض العقوبات الجماعية على المدنيين محظور بموجب اتفاقية جنيف الرابعة في أوقات النزاع المسلح، ويمكن اعتباره جريمة حرب، خاصة إذا كانت تتضمن استخدامًا عسكريًا.
تحليل التأثير
إن النتائج التي توصلت إليها دراسة مركز أبحاث الاقتصاد والسياسات (CEPR) تسلط الضوء على الأثر الإنساني الكارثي للسياسات الاقتصادية المتشددة، وتؤكد على ضرورة إعادة تقييم هذه السياسات وتداعياتها على حياة المدنيين. الارتفاع الكبير في وفيات الرضع ليس مجرد رقم، بل هو مؤشر على أزمة صحية وإنسانية عميقة نتجت عن ضغوط خارجية. إن استمرار الحصار لا يؤدي فقط إلى معاناة إنسانية، بل يقوض أيضًا الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة في المنطقة، ويشكل سابقة مقلقة لاستخدام العقوبات الاقتصادية كأداة ضغط قد تؤدي إلى عواقب وخيمة وغير مقصودة.