في تطور يعيد إلى الأذهان الجدل السابق حول مشروع Maven في عام 2018، دخلت شركة جوجل في اتفاقية جديدة مع وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) تتيح استخدام نماذجها المتقدمة للذكاء الاصطناعي، مثل Gemini، ضمن الشبكات العسكرية المصنفة "لأي غرض قانوني". هذه الخطوة، التي جاءت بعد اتفاقيات مماثلة من شركات مثل OpenAI و xAI، أثارت موجة من المعارضة الداخلية بين موظفي جوجل، حيث وقّع ما يقرب من 600 موظف على رسالة مفتوحة تعارض الصفقة، مطالبين الشركة بمراجعة موقفها.
على النقيض من رد فعل الشركة في عام 2018، حين تراجعت جوجل عن مشروع Maven استجابة لضغوط الموظفين، يبدو أن الإدارة الحالية تتخذ موقفًا أكثر حزماً. تشير تقارير إلى أن جوجل مصممة على المضي قدماً في الصفقة، مؤكدة لموظفيها عبر مذكرة داخلية أن الشركة "تفخر" بالعمل مع الجيش الأمريكي وتخطط للاستمرار في ذلك. ويعكس هذا الموقف تحولاً في موازين القوى داخل الشركة، حيث يبدو أن نفوذ الموظفين في التأثير على سياسات الشركة قد تضاءل مقارنة بالماضي، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه قطاع التكنولوجيا.
تاريخ من المعارضة وردود الفعل المتباينة
خلفية مشروع Maven والدروس المستفادة
في عام 2018، أدت معارضة الموظفين الشديدة لمشروع Maven، الذي يهدف إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل لقطات المراقبة بطائرات بدون طيار لأغراض الاستهداف، إلى انسحاب جوجل من الشراكة. أجبرت هذه الاحتجاجات، التي شملت رسالة مفتوحة من الموظفين، الشركة على إعادة تقييم علاقتها بالصناعات الدفاعية. لكن يبدو أن جوجل قد تعلمت دروساً من تلك التجربة، ليس فقط في الاستراتيجيات الدفاعية، بل أيضاً في كيفية إدارة الاتصالات الداخلية وضبط آليات التنظيم. فقد أشارت تقارير إلى أن الشركة قامت بتقييد قوائم البريد الداخلي والشبكات الاجتماعية الداخلية، مما يجعل تنظيم أي حملات معارضة أكثر صعوبة.
على الرغم من أن جوجل قد نشرت مبادئ توجيهية خاصة بها حول الذكاء الاصطناعي، والتي تعهدت بعدم تطوير تقنيات للأسلحة أو المراقبة التي تنتهك المعايير الدولية، إلا أن هذه المبادئ تم تحديثها في فبراير 2025، حيث تمت إزالة التعهد الصريح بعدم استخدام التقنية في تطوير الأسلحة. هذا التغيير أثار قلق العديد من الموظفين الذين يرون فيه ابتعاداً عن القيم الأساسية للشركة.
مخاوف الموظفين وتحديات التظيم الداخلي
يعرب العديد من موظفي جوجل، وخاصة أولئك العاملين في قسم DeepMind المسؤول عن تطوير نماذج Gemini، عن قلقهم البالغ بشأن استخدام تقنياتهم في تطبيقات عسكرية. أشار أحد الباحثين، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، إلى أن الموظفين كانوا يفخرون بالعمل على "الذكاء الاصطناعي من أجل الخير"، لكن الصفقة الجديدة تثير مخاوف من استخدام هذه التقنيات في أغراض قد تكون خطيرة دون رقابة كافية. كما انتقد نفس الباحث الافتقار إلى الشفافية من قبل الشركة فيما يتعلق بتفاصيل الصفقة، واصفاً إياها بأنها تمت "في الظلام"، وطالب بزيادة الشفافية كوسيلة محدودة للضغط على القيادة.
تضافرت عوامل مثل عمليات التسريح وتقليص التكاليف في قطاع التكنولوجيا، إلى جانب طبيعة العمل في الشركات التقنية التي غالباً ما تكون أقل تنظيماً مقارنة بالقطاعات الأخرى، مما قلل من نفوذ الموظفين. فقد أصبح من الصعب تكرار النجاح الذي حققه الموظفون في إلغاء مشروع Maven عام 2018، في ظل تزايد الاعتماد على الأتمتة وتقنية الذكاء الاصطناعي التي قد تقلل من الحاجة إلى الأيدي العاملة البشرية.
مخاوف أمنية وتساؤلات حول الحدود الأخلاقية
الذكاء الاصطناعي والأسلحة ذاتية التشغيل والمراقبة الجماعية
تتمركز المخاوف الرئيسية حول الصفقة الجديدة في مجالين حساسين: الأسلحة ذاتية التشغيل والمراقبة الجماعية. يشعر النقاد بالقلق من أن الذكاء الاصطناعي قد يُستخدم لتحديد واستهداف الأهداف بشكل مستقل دون إشراف بشري مباشر، مما يثير تساؤلات حول المساءلة الأخلاقية والقانونية. وفيما يتعلق بالمراقبة، فإن قدرة الذكاء الاصطناعي على تجميع البيانات المتفرقة لتكوين صورة شاملة لحياة الأفراد تثير قلقاً خاصاً، خاصة وأن الخبراء القانونيين يشيرون إلى أن هذا النوع من المراقبة، على الرغم من أنه قد يبدو مخالفاً لقوانين مثل قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية (FISA) وتعديلاته، يصبح ممكناً عملياً من خلال شراء بيانات متاحة تجارياً.
على الرغم من أن اتفاقية جوجل تنص على أن تقنياتها "ليست مخصصة" و"لا ينبغي استخدامها" في المراقبة الجماعية المحلية أو الأسلحة ذاتية التشغيل دون إشراف وتحكم بشري مناسب، إلا أن الخبراء يشككون في مدى إلزامية هذه الشروط على البنتاجون. فالنماذج العامة التي تقدمها جوجل، مثل Gemini، ليست مصممة خصيصاً لهذه الأغراض، مما يزيد من مخاطر الاستخدام غير المقصود أو غير الأخلاقي. إن هذه العقود التي تسمح بـ"جميع الأغراض القانونية" تضع سابقة خطيرة، وقد تطبع نموذجاً تقوم فيه الشركات بتسليم تقنيات ذكاء اصطناعي قوية إلى البنتاجون بقيود محدودة، مما يصعب لاحقاً تشديد هذه الشروط.
حواجز أمان أضعف مقارنة بالشركات الأخرى
تُعد اتفاقية جوجل مع البنتاجون الأكثر تساهلاً مقارنة بما تم الكشف عنه حتى الآن عن عقود شركات تكنولوجيا أخرى. فبعد انهيار مفاوضات Anthropic مع البنتاجون بسبب رفضها توقيع عقد يتضمن لغة "جميع الأغراض القانونية"، وقعت كل من OpenAI و xAI اتفاقيات مماثلة. وقد واجهت OpenAI ردود فعل قوية من موظفيها وعملائها، مما دفع الرئيس التنفيذي سام ألتمان إلى الاعتذار وإعادة التفاوض على بعض بنود الصفقة.
في المقابل، لم تحظ اتفاقية جوجل بنفس القدر من التدقيق، حتى داخل الشركة. يرى الخبراء القانونيون أن لغة العقد الخاص بجوجل أقل تقييداً وأكثر تساهلاً مع استخدام الحكومة مقارنة بعقد OpenAI. ويشيرون إلى أن عقد جوجل قد يفرض التزاماً على الشركة بإزالة أي ضمانات تقنية داخل نماذجها قد تمنع الحكومة من تحقيق ما تريده، طالما كان ذلك قانونياً. على عكس ذلك، بدا عقد OpenAI أنه يتضمن ضمانات تعاقدية تمنع استخدام النماذج في أنواع معينة من المراقبة المحلية الجماعية. ومع ذلك، يبقى أن OpenAI لم تنشر سوى جزء صغير من عقدها، وقد تكون هناك ضمانات أخرى غير معلنة.
تحليل التأثير
تُشكل الصفقة الأخيرة بين جوجل والبنتاجون نقطة تحول هامة في العلاقة بين شركات التكنولوجيا العملاقة والمؤسسات العسكرية. فبينما تسعى الحكومة الأمريكية إلى الاستفادة من أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدراتها الدفاعية، تواجه الشركات تحديات متزايدة في الموازنة بين هذه المتطلبات وبين القيم الأخلاقية وقلق موظفيها. إن تضاؤل نفوذ الموظفين وعدم الشفافية المحيطة بهذه الصفقات يثيران تساؤلات جدية حول مستقبل تطوير ونشر تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومدى قدرة المجتمع التقني على توجيه هذه التكنولوجيا القوية نحو مسارات مسؤولة وأخلاقية. يبدو أن جوجل، هذه المرة، مستعدة لتحمل العواقب الداخلية من أجل تعزيز شراكاتها الاستراتيجية، وهو ما قد يعيد تشكيل المشهد العام لتفاعل شركات التكنولوجيا مع القطاع الدفاعي.