في حادثة أثارت دهشة واستياء العديد من العملاء، ألغت وكالة BMW في تورونتو عرضاً لشراء سيارة عميل، معللة ذلك بخطأ ارتكبه روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي. ورغم أن الوكالة أعادت النظر في الصفقة وأكدتها لاحقاً، إلا أن هذه الواقعة تسلط الضوء على المخاطر المتزايدة التي تواجه الشركات الكندية عند تبني أدوات الذكاء الاصطناعي، واحتمالية تعرضها لردود فعل سلبية أو حتى إجراءات قانونية في حال وقوع أخطاء.
تكمن الخطورة في أن العديد من الشركات تندفع نحو دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في عملياتها لتعزيز الكفاءة وتقديم تجربة أفضل للعملاء، لكنها قد تتجاهل العواقب المحتملة لعدم فهمها العميق لقدرات هذه التقنيات وحدودها. ففي حين يسعى البعض لتبسيط إجراءات خدمة العملاء، قد يؤدي الاعتماد المفرط على الأنظمة الآلية دون إشراف بشري كافٍ إلى مواقف محرجة ومعقدة، كما حدث مع العميل زاك جياكوميلي، الذي فوجئ بسحب عرض شراء سيارته بعد أن تلقى وعداً بالدفع من روبوت دردشة.
حقيقة العرض المُلزم: هل يلتزم الذكاء الاصطناعي بالعقود؟
بدأت القصة عندما قرر زاك جياكوميلي، صاحب سيارة BMW موديل 2021، بيع سيارته مرة أخرى لوكالة BMW التي اشتراها منها. بعد تقديم استفسار عبر الإنترنت، تلقى رداً سريعاً من شخص يدعى "كوين"، يبدو أنه ممثل الوكالة، عبر الرسائل النصية. أبدى "كوين" تعاطفاً مع مشاكل السيارة التي كانت لا تزال قيد الإصلاح لدى الوكالة، وطرح أسئلة حول المركبة. وفي وقت لاحق من المحادثة، قدم "كوين" عرضاً محدداً لشراء السيارة بمبلغ 27,162.79 دولاراً، وهو المبلغ الذي كان كافياً لتغطية قيمة القسط المستحق على السيارة.
شعر جياكوميلي بالرضا، معتقداً أن "كوين" يتفهم وضعه. لكن السعادة لم تدم طويلاً، فبعد لحظات قليلة، تلقى اتصالاً هاتفياً من أحد مستشاري المبيعات في الوكالة، لإبلاغه بأن العرض غير صالح. وأوضح المستشار أن "كوين" ليس شخصاً حقيقياً، بل هو روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي، وأن العرض الذي قدمه كان مجرد خطأ ناتج عن سوء فهم. وعندما استفسر جياكوميلي عن العرض الحقيقي، قُدم له عرض أقل بكثير، لا يتجاوز 20,000 دولار، مما يعني انخفاضاً بأكثر من 7,000 دولار عن العرض الأولي. شعر جياكوميلي بالصدمة ثم الغضب، مؤكداً أنه إذا كانت الشركات تستبدل موظفيها بالذكاء الاصطناعي، فيجب عليها احترام ما تقوله هذه الأنظمة.

هذه الحادثة تثير تساؤلات قانونية معقدة حول مدى صلاحية العقود التي تبرمها أنظمة الذكاء الاصطناعي نيابة عن الشركات. وفي القانون الكندي، بدأت تتشكل سوابق قضائية تعكس مسؤولية الشركات عن الأخطاء التي ترتكبها روبوتات المحادثة. في قضية بارزة عام 2024، أُجبرت شركة طيران كندا على احترام سعر تذكرة تم تقديمه لعميل عبر روبوت محادثة، رغم أن المعلومات كانت خاطئة. حاولت شركة الطيران الادعاء بأن الروبوت كيان قانوني منفصل، لكن المحكمة رفضت ذلك، مؤكدة أن الشركة الأم هي المسؤولة في نهاية المطاف.
وفقاً لتانيا ووكر، محامية في شركة "ووكر لو" في تورونتو، فإن الشركات تتحمل المسؤولية عن أفعال روبوتاتها كما لو كانت أفعال موظفيها. وأشارت ووكر إلى أن العديد من الشركات قد لا تدرك حجم القوة التي يمكن أن تمتلكها هذه الروبوتات، والتي قد تصل إلى إبرام عقود نيابة عنها.
الوكالة تتراجع: صفقة الذكاء الاصطناعي تعود إلى الواجهة
كان أحد الأسباب الرئيسية لإحباط جياكوميلي هو عدم علمه بأنه كان يتواصل مع روبوت ذكاء اصطناعي. فقد كشف عن أن "كوين" لم يكشف عن هويته الحقيقية أبداً خلال المحادثات النصية التي اطلعت عليها شبكة CBC News. شعر جياكوميلي بالإحراج والغضب لأنه كان يتفاوض مع نظام آلي دون علمه. وعندما قدم جياكوميلي عرضاً مضاداً بقيمة 28,500 دولار، أبدى "كوين" تفاؤلاً، مشيراً إلى أن "الفريق" سيأخذ العرض في الاعتبار وأن المبلغ "معقول".

قبل أن يتم سحب العرض الأصلي، لم يكن جياكوميلي قد قبله رسمياً، حيث كان ينتظر رداً على عرضه المضاد. ومع ذلك، ترى ووكر أنه كان يمكن لجياكوميلي أن يجادل بوجود اتفاق ملزم، خاصة وأن روبوت الدردشة قام بترتيب موعد للقاء في الوكالة لإنهاء الصفقة، حيث كتب "كوين": "دعنا نثبت الصفقة اليوم الساعة 3:30". وبناءً على ذلك، قالت ووكر إنه من المعقول لجياكوميلي أن يعتقد بوجود عقد واجب التنفيذ.

بعد تدخل شبكة CBC News وتواصلها مع وكالة BMW Toronto، أعادت الوكالة تأكيد العرض الأصلي المقدم من "كوين" بقيمة 27,162.79 دولاراً. عبر جياكوميلي عن ارتياحه الشديد وقبوله الفوري للعرض. وأوضح سكوت شادبولت، مدير المبيعات في BMW Toronto، في مقابلة هاتفية، أن الوكالة أرادت "تصحيح الوضع" مع جياكوميلي. وأرجع شادبولت الخطأ إلى سوء فهم من موظف بشري، حيث فسر الروبوت قيمة الدين المستحق على السيارة (27,162.79 دولاراً) كقيمة شراء للسيارة من قبل الوكالة.
أشار شادبولت إلى أن الروبوت "انطلق" بناءً على هذه المعلومة الخاطئة. وأكدت ووكر أن الشركات يجب ألا تسمح للذكاء الاصطناعي بالتفاوض على الصفقات إذا لم تكن مستعدة للالتزام بنتائجها، واصفةً هذا الموقف بأنه "ممارسة تجارية غير عادلة".

التداعيات المستقبلية: مسؤولية الشركات في عصر الذكاء الاصطناعي
أوضح شادبولت أن الروبوت "كوين" لم يتم برمجته للتفاوض المستقل على العقود، بل كان دوره مقتصراً على نقل عروض الشراء التي يضعها الموظفون البشريون. ونتيجة لهذه الحادثة، أكد أن الموظفين البشريين فقط هم من سيقدمون عروض الشراء للعملاء مستقبلاً. بالإضافة إلى ذلك، صرح شادبولت بأن BMW Toronto تعمل على وضع آليات واضحة لضمان معرفة العملاء بوقت تفاعلهم مع الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أنهم "في منطقة جديدة" ويحاولون إيجاد أفضل طريقة لتجربة عملاء جيدة مع الذكاء الاصطناعي.

من المتوقع أن تزداد مثل هذه النزاعات مع تزايد اعتماد الشركات على أدوات الذكاء الاصطناعي في خدمة العملاء. وتشير بيانات هيئة الإحصاء الكندية الصادرة في الربع الثاني من عام 2025 إلى أن 12% من الشركات الكندية تستخدم الذكاء الاصطناعي في إنتاج السلع أو تقديم الخدمات، بزيادة عن 6% في نفس الفترة من عام 2024. ومن بين هذه الشركات، تستخدم 25% روبوتات المحادثة أو الوكلاء الافتراضيين.

بعيداً عن الالتزامات القانونية، يرى غوس سكوربورغ، أستاذ في جامعة غويلف وشريك في مركز تعزيز الذكاء الاصطناعي المسؤول والأخلاقي بالجامعة، أن الشركات تتحمل مسؤولية أخلاقية تجاه عملائها في حال فشلت أدوات الذكاء الاصطناعي التي تطرحها. وأضاف سكوربورغ أن قرار نشر روبوت المحادثة غالباً ما يكون مدفوعاً بالرغبة في خفض التكاليف، ولكن عندما ترتكب هذه الأنظمة أخطاء، يجب على الشركات أن تكون مستعدة لتحمل المسؤولية.
تحليل الأثر
تُبرز قضية وكالة BMW Toronto والعميل زاك جياكوميلي التحديات الجوهرية التي تواجهها الشركات في العصر الرقمي، خاصة مع الانتشار السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي. فعلى الرغم من فوائد الذكاء الاصطناعي في تحسين الكفاءة وتقديم تجارب مخصصة، إلا أن الأخطاء الناتجة عن هذه التقنيات يمكن أن تؤدي إلى تبعات قانونية ومالية وخيمة، بالإضافة إلى الإضرار بسمعة الشركة. يتطلب الأمر من الشركات ليس فقط تبني هذه التقنيات بحذر، بل أيضاً وضع آليات واضحة للإشراف البشري، وضمان الشفافية في التعامل مع العملاء، والاستعداد لتحمل المسؤولية عن أي أخطاء قد ترتكبها الأنظمة الآلية. كما أن الحاجة ماسة لتطوير أطر قانونية وتنظيمية تواكب التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي لضمان حماية حقوق المستهلكين وتحقيق توازن بين الابتكار والمسؤولية.