في الآونة الأخيرة، أصبحت التحذيرات بشأن "نهاية الوظائف" بسبب الذكاء الاصطناعي تثير قلقاً متزايداً في قطاع التكنولوجيا. فقد حذر مصطفى سليمان، رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في شركة مايكروسوفت، من أن الوظائف المكتبية قد تواجه اضطراباً واسع النطاق خلال فترة تتراوح بين عام إلى 18 شهراً. وتزامنت هذه التحذيرات مع آراء مماثلة من شخصيات بارزة مثل المرشح الرئاسي السابق أندرو يانغ، وجيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك جي بي مورجان تشيس، مما زاد من حدة المخاوف بشأن مستقبل سوق العمل.
هذه التنبؤات المقلقة دفعت العديد من الموظفين المحترفين إلى الشعور بعدم اليقين بشأن مستقبلهم الوظيفي. وفي هذا السياق، اتخذت شركة Block، وهي شركة المدفوعات التي أسسها جاك دورسي، خطوة قد تؤكد بعض هذه المخاوف. أعلنت الشركة عن تسريح ما يقرب من نصف قوتها العاملة، بواقع 4000 موظف، لتقليص العدد الإجمالي من أكثر من 10000 إلى ما يقرب من 6000 عامل.
تحولات جذرية في سوق العمل بفعل الذكاء الاصطناعي
لم يتردد جاك دورسي في توضيح أسباب هذه التغييرات الجذرية. ففي منشور له على منصة X، ربط دورسي بشكل مباشر بين قرارات التسريح وبين الزيادة الكبيرة في الكفاءة التشغيلية التي حققتها الشركة بفضل تطبيق أدوات الذكاء الاصطناعي. وأشار إلى أن "الأدوات الذكية التي نصنعها ونستخدمها، مقترنة بفرق عمل أصغر وأكثر انسيابية، تمكّن من طريقة عمل جديدة تغير بشكل أساسي ما يعنيه بناء شركة وتشغيلها".
تُعدّ عمليات التسريح في شركة Block واحدة من أبرز وأكثر عمليات خفض القوى العاملة مدفوعة بالذكاء الاصطناعي وأكبرها حتى الآن ضمن شركات مؤشر S&P 500. وأضاف دورسي أن شركته ليست وحدها في الوصول إلى هذه الخلاصة، متوقعاً أن تحذو شركات أخرى حذوها. فقد ذكر في رسالة منفصلة للمساهمين: "أعتقد أن معظم الشركات متأخرة. وفي غضون العام المقبل، أعتقد أن غالبية الشركات ستصل إلى نفس الاستنتاج وتتخذ تغييرات هيكلية مماثلة".
التداعيات الاقتصادية وتفسيرات التسريح
تأتي عمليات التسريح هذه في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن مستقبل الوظائف المكتبية بسبب التقدم المتسارع في قدرات الذكاء الاصطناعي. فقد تخيل تقرير حديث سيناريو قد تشهد فيه معدلات البطالة ارتفاعاً ملحوظاً وتراجعاً في أسواق الأسهم. ومع ذلك، تشير بعض التقارير الأخرى إلى أن ادعاءات الشركات بأن الذكاء الاصطناعي هو السبب الرئيسي للتسريح قد تكون واجهة لعمليات تسريح أخرى لأسباب مختلفة، مثل التوظيف المفرط خلال فترات سابقة.
في يناير، وجدت دراسة أجرتها Oxford Economics أن العديد من حالات التسريح التي زعم الرؤساء التنفيذيون أنها بسبب الذكاء الاصطناعي كانت في الواقع رد فعل على التوظيف الزائد في الماضي. ومع ذلك، يحذر بعض الخبراء من أن خطوات مثل تلك التي اتخذتها Block قد تثير موجة جديدة من التسريحات عبر مختلف القطاعات المهنية. يرى أنطون كورينيك، خبير اقتصادي متخصص في تأثير الذكاء الاصطناعي التحويلي، أن "قدرات الذكاء الاصطناعي قد تقدمت بسرعة في الأشهر القليلة الماضية، وقد تكون هذه بداية لاتجاه جديد حيث تصبح الوظائف المكتبية مهددة بشكل أكثر خطورة من قبل الذكاء الاصطناعي. بمجرد أن تبدأ بعض الشركات هذا الاتجاه، قد تدفعها قوى المنافسة إلى الاقتداء بها".
مراحل تبني الذكاء الاصطناعي في الشركات
على الرغم من هذه التحذيرات، لا تزال العديد من الشركات في المراحل المبكرة من تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي. فقد وجدت دراسة أجرتها McKinsey عام 2025 أن معظم الشركات لا تزال في مرحلة التجريب، وأن حوالي ثلثي الشركات لم تقم بعد بتوسيع نطاق هذه التقنيات. علاوة على ذلك، أظهر مسح حديث شمل 6000 رئيس تنفيذي وغيرهم من المديرين التنفيذيين في شركات عبر الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وأستراليا، أن الذكاء الاصطناعي لم يظهر بعد أي تأثير كبير على عملياتهم.
في المقابل، حذر قادة تقنيون آخرون من أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي في النهاية إلى تقليل عدد الوظائف. فقد صرح آندي جاسي، الرئيس التنفيذي لشركة أمازون، العام الماضي بأن الشركة "من المحتمل أن تحتاج إلى عدد أقل من الموظفين" مع بدء الذكاء الاصططناعي في أتمتة المهام. وبالمثل، ذكر مارك بينيوف، الرئيس التنفيذي لشركة Salesforce، أنه "بحاجة إلى عدد أقل من الرؤوس" بعد تقليص قوة الشركة العاملة بمقدار 4000 موظف مع تولي الذكاء الاصطناعي بعض الأعمال.
أداء "بلوك" وعائدات استثماراتها في الذكاء الاصطناعي
بالنسبة لشركة Block، يبدو أن تطبيق الذكاء الاصطناعي قد عزز عمليات الشركة بشكل ملحوظ. وأوضح دورسي في منشوره على X: "نحن لا نتخذ هذا القرار لأننا في ورطة، بل لأن أعمالنا قوية". وقد أبلغت الشركة عن ربح إجمالي قدره 2.87 مليار دولار في الربع الرابع، بزيادة 24% على أساس سنوي.
كما ذكر دورسي أن قاعدة عملاء الشركة في توسع وأن الربحية تتحسن، وهو ما عزا نجاحه إلى تطبيق الذكاء الاصطناعي. وقد استجابت سوق الأسهم بشكل إيجابي لهذا القرار؛ حيث ارتفعت أسهم Block بنسبة 18% تقريباً يوم الجمعة، مع تفاؤل المستثمرين بتحقيق مكاسب إنتاجية من الذكاء الاصطناعي. وأشار دورسي إلى أن عمليات التسريح تأتي استباقاً لاتجاه مستقبلي، مما يسمح للشركة بالتصرف بشكل استباقي: "أفضّل أن أصل إلى هذه النقطة بصدق وعلى شروطنا الخاصة بدلاً من أن أُجبر على ذلك بشكل تفاعلي".
تحليل الأثر
تمثل قرارات التسريح الجماعي في شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل Block، نقطة تحول محتملة في العلاقة بين التكنولوجيا وسوق العمل. بينما يرى البعض أن هذه الخطوات هي مجرد بداية لاتجاه جديد قد يؤدي إلى تقليص كبير في الوظائف المكتبية، يرى آخرون أن هذه القرارات قد تكون مدفوعة بعوامل متعددة، بما في ذلك الحاجة إلى زيادة الكفاءة والتحول الهيكلي الذي تحدثه التقنيات الجديدة. وبينما تستمر الشركات في استكشاف إمكانيات الذكاء الاصطناعي، يظل الأثر طويل الأمد على القوى العاملة موضوعاً للنقاش والتحليل المستمر.