في الوقت الذي تتهيأ فيه أوروبا لاستقبال ذروة موسم العطلات الصيفية، تتجدد المخاوف بشأن ظاهرة "السياحة المفرطة" في الوجهات الأكثر شعبية، وتبرز مالطا كواحدة من الدول التي تشهد جدلاً متزايداً حول تأثير الأعداد الكبيرة من الزوار. أظهر استطلاع حديث للرأي انقساماً واضحاً في الشارع المالطي بشأن ما إذا كانت أعداد السياح الحالية "مناسبة تماماً" أم أنها "مفرطة"، مما يعكس تعقيد التحديات التي تواجهها الدولة الأرخبيلية الصغيرة.
شهدت مالطا، كغيرها من الوجهات السياحية الأوروبية، ارتفاعاً مستمراً في أعداد السياح الوافدين خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بعوامل متعددة تشمل جاذبيتها التاريخية والثقافية الفريدة، بالإضافة إلى جهود الترويج السياحي المستمرة. إلا أن هذا النمو المتزايد يطرح تساؤلات ملحة حول قدرة البنية التحتية والموارد الطبيعية والبشرية على استيعاب هذه الأعداد دون المساس بجودة الحياة للسكان المحليين أو التجربة السياحية نفسها. وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه دول مثل البرتغال وإسبانيا إلى معالجة قضايا مماثلة عبر تطبيق إجراءات تنظيمية للحد من الآثار السلبية للسياحة الجماعية.
تحديات السياحة المفرطة في مالطا
أرقام وافدة متزايدة وتأثيرات محلية متباينة
وفقاً لبيانات رسمية، سجلت هيئة السياحة المالطية أكثر من أربعة ملايين زائر وافد خلال عام 2025، حيث شكلت المملكة المتحدة وإيطاليا والبرتغال الأسواق الرئيسية. وقد سافر أكثر من ثلاثة ملايين من هؤلاء الزوار لأول مرة إلى الجزيرة، وكان 93.1% منهم لأغراض سياحية. بلغ متوسط مدة الإقامة 6.3 ليالٍ، مما أدر ما قيمته 3.9 مليار يورو من الإنفاق السياحي على مدار العام. ومع ذلك، فإن هذا النشاط السياحي المكثف يثير قلقاً متزايداً لدى السكان المحليين.
أظهر استطلاع أجرته شركة "إسبريمي" لأبحاث السوق المالطية لصالح صحيفة "تايمز أوف مالطا"، أن 51% من المشاركين يرون أن الأعداد الحالية للزوار "مناسبة تماماً"، بينما يعتقد 45% الآخرون أنها "مفرطة". هذا الانقسام يعكس وجهات نظر متباينة حول التوازن بين الفوائد الاقتصادية للسياحة والتحديات التي تفرضها على البيئة والمجتمع.
توزيع القلق الجغرافي
ويظهر هذا التباين في الآراء بوضوح عند النظر إلى التوزيع الجغرافي للقلق. ففي المناطق القريبة من الوجهات السياحية الرئيسية مثل خليج سانت بولس، ومليحة، وغودش، بلغت نسبة الذين يرون أن أعداد السياح مرتفعة جداً 59%. وعلى النقيض من ذلك، في مناطق مثل مرساسكالا ومرقسلوج وبيرزبوغا، كانت المخاوف بشأن ارتفاع أعداد السياح أقل، حيث عبر عنها 27% فقط من السكان المحليين. هذا التفاوت يشير إلى أن تأثير السياحة المفرطة ليس موحداً عبر الجزيرة، بل يتركز في مناطق معينة.
الجزر الأكثر استهدافاً بالسياح
غودش وكومينو: وجهات ساحرة تحت الضغط
شكلت جزيرتا غودش وكومينو وجهة لأكثر من 2.3 مليون سائح في عام 2025، وهو ما يمثل نسبة كبيرة بلغت 57% من إجمالي الزوار إلى مالطا في ذلك العام، وفقاً للمكتب الوطني للإحصاء. تُعد غودش، التي تبعد 45 دقيقة بالعبارة عن العاصمة فاليتا، بديلاً ساحراً لمالطا الرئيسية، وتجذب المسافرين الباحثين عن الهدوء والطبيعة الخلابة ومزيج من التاريخ الأصيل.
تتميز غودش بسمعتها المطبخية الرفيعة، حيث تضم خمسة مطاعم حازت على تقدير دليل ميشلان، وتقدم أطباق المأكولات البحرية الطازجة والمأكولات المعاصرة والإيطالية والمتوسطية. أما جزيرة كومينو، فتقدم مجموعة متنوعة من الأنشطة البحرية والبرية، بما في ذلك 12 موقعاً معترفاً للغوص، ومناطق للسباحة، ومعالم تاريخية. تشتهر كومينو بـ "البحيرة الزرقاء"، وهي خليج ضحل بمياهه الزرقاء الصافية ورماله البيضاء، والتي يتطلب الوصول إليها نظام "احجز، احمِ، استمتع" المتبع من قبل هيئة السياحة المالطية بالتعاون مع وزارة السياحة، بهدف الحد من الازدحام وحماية النظم البيئية الفريدة للبحيرة.
عادة ما يتنقل الزوار بين غودش وكومينو، أو يتجهون من العاصمة فاليتا إلى سليما، التي تبعد 15-20 دقيقة بالعبارة أو الحافلة، ومنها تنطلق رحلات بحرية مباشرة إلى كومينو. تتراوح تكلفة هذه الرحلات من فاليتا بين 30 إلى 90 يورو للشخص الواحد، مما يعكس التكاليف المرتبطة بالوصول إلى هذه الجزر.
تأثير السياحة على البحث العلمي
من الجدير بالذكر أن مالطا لا تواجه فقط تحديات السياحة المفرطة، بل تستفيد أيضاً من تواجد السياح في مجالات بحثية مبتكرة. فقد سلطت بعض التقارير الضوء على مبادرات تتيح للسياح دعم أبحاث تغير المناخ من خلال مشاركة صورهم الفوتوغرافية الساحلية، مما يساهم في مراقبة التغيرات البيئية وجمع بيانات قيمة حول صحة السواحل المالطية.
الخلاصة: نحو إدارة مستدامة للسياحة
يُظهر النقاش الدائر في مالطا حول السياحة المفرطة تعقيدات إدارة الوجهات السياحية الشهيرة في ظل تزايد الطلب العالمي. وبينما تسعى السلطات إلى تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على الموارد الثقافية والطبيعية، فإن آراء السكان المحليين تلعب دوراً محورياً في تشكيل السياسات المستقبلية. إن معالجة قضايا مثل الازدحام، والحفاظ على التراث، وضمان تجربة سياحية ممتعة ومستدامة، يتطلب استراتيجيات مبتكرة وتشاركية تضمن استفادة الجميع من ثروات مالطا السياحية.