في خطوة رائدة نحو تعزيز استقرار شبكات الطاقة وتخزين الطاقة المتجددة بكفاءة، تستعد سويسرا لإنشاء ما سيكون أكبر بطارية تدفق أكسدة-اختزال (Redox Flow Battery) على مستوى العالم. يقع المشروع في شمال سويسرا، ويتضمن حفر حفرة عملاقة بعمق يصل إلى 27 مترًا (88 قدمًا)، وتمتد على مساحة تعادل ملعبين لكرة القدم. هذا المشروع الطموح، الذي تقوده شركة الطاقة السويسرية FlexBase، يهدف إلى الاستفادة من تقنية تخزين الطاقة التي تعود جذورها إلى ما يقرب من 150 عامًا، لضمان استقرار الشبكة الكهربائية السويسرية والأوروبية في مواجهة تقلبات العرض والطلب.
ووفقًا لتصريحات مارسيل أومر، الشريك المؤسس لشركة FlexBase، فإن هذه البطارية الضخمة ستتمتع بقدرة على حقن أو امتصاص ما يصل إلى 1.2 جيجاوات-ساعة (GWh) من الكهرباء في غضون أجزاء من الثانية. هذه القدرة تعادل تقريبًا إنتاج محطة ليبستادت للطاقة النووية، الواقعة بالقرب من الحدود الألمانية. سيتم تغذية البطارية بالطاقة الفائضة الناتجة عن مزارع الرياح، مما يمثل خطوة هامة نحو تكامل أوسع للطاقة المتجددة في مزيج الطاقة.
بطاريات التدفق بالأكسدة-الاختزال: تقنية قديمة بآفاق مستقبلية
تعتمد بطاريات التدفق بالأكسدة-الاختزال على مبدأ تخزين الطاقة في سوائل كهرلية. يتكون النظام من خزانين كبيرين يحتويان على مكونين كيميائيين يعتمدان بشكل كبير على الماء. يتم ضخ هذه السوائل عبر خلية تحتوي على غشاء فاصل. أثناء عملية الشحن، تنتقل الأيونات عبر الغشاء بين الجانبين الموجب والسالب، مما يؤدي إلى تغيير حالة الأكسدة وتخزين الطاقة بشكل دائم. عند التفريغ، تحدث العملية العكسية. تتميز هذه الدورة بعدم انبعاث غازات، مما يجعل عمر البطارية شبه غير محدود، وهي غير قابلة للاشتعال وقابلة لإعادة التدوير بالكامل تقريبًا في نهاية عمرها التشغيلي.
ورغم أن تقنية بطاريات الليثيوم-أيون هي الأكثر شيوعًا حاليًا وتحسنت أسعارها وتوفرها، إلا أنها غالباً ما تكون مناسبة للتخزين قصير الأمد. في المقابل، تُعد بطاريات التدفق بالأكسدة-الاختزال خيارًا أفضل للتخزين على نطاق واسع وطويل الأمد. وقد أصبحت المكونات المختلفة لهذه البطاريات، مثل الخزانات والأغشية وأكوام الخلايا والمضخات، أقل تكلفة مع نضوج الصناعة في السنوات الأخيرة، مما يجعل مشاريع مثل هذا المشروع السويسري مجدية اقتصاديًا.

تاريخ وتطور تقنية البطاريات
تعود جذور تقنية بطاريات التدفق بالأكسدة-الاختزال إلى عام 1879، وشهدت تطورات هامة من خلال أبحاث وكالة ناسا بين الخمسينيات والسبعينيات من القرن الماضي. على الرغم من هيمنة بطاريات الليثيوم-أيون في التطبيقات الاستهلاكية، إلا أن بطاريات التدفق أثبتت فعاليتها في تطبيقات تخزين الطاقة على نطاق الشبكات الكبيرة.
يُعد التصميم الأساسي لبطارية التدفق بالأكسدة-الاختزال فعالًا في فصل تخزين الطاقة عن توليدها. يتم تخزين الطاقة في كميات كبيرة من إلكتروليت سائل في خزانات خارجية، ويتم ضخ هذا الإلكتروليت عبر خلية كهروكيميائية حيث تحدث تفاعلات الأكسدة والاختزال. يمكن زيادة سعة التخزين ببساطة عن طريق زيادة حجم الخزانات، بينما يمكن زيادة القدرة عن طريق زيادة حجم الخلية أو عدد الخلايا المتصلة بالتوازي. 
مواصفات وقدرات البطارية السويسرية
ستتمتع البطارية السويسرية بسعة تخزين تبلغ 2.1 جيجاوات-ساعة، وهو ما يكفي نظريًا لتزويد 210,000 أسرة بالطاقة الكهربائية لمدة يوم كامل. بالإضافة إلى دورها في منع انقطاع التيار الكهربائي، ستساهم البطارية أيضًا في تلبية الطلب المتزايد من مراكز البيانات الضخمة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي والتي تتواجد بكثرة في المنطقة. 
تتفوق هذه البطارية بشكل كبير في سعتها على مشروع شينخوا أوشي في الصين، والذي يُعد حاليًا أكبر بطارية تدفق بالأكسدة-الاختزال عاملة في العالم بسعة 700 ميجاوات-ساعة. كما تشهد دول مثل اليابان وألمانيا اهتمامًا كبيرًا بهذه التقنية وتطوراتها.
تخطط FlexBase لتشغيل هذه البطارية العملاقة بحلول عام 2029. وستكون جزءًا من مجمع تكنولوجي يمتد على مساحة 20,000 متر مربع (215,000 قدم مربع)، وسيضم أيضًا مركز بيانات ومختبرات ومكاتب.

الاستثمار والجدوى الاقتصادية
تبلغ التكلفة الإجمالية لهذا المشروع الضخم أكثر من مليار دولار أمريكي. تأتي هذه الاستثمارات الكبيرة في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى حلول تخزين الطاقة الموثوقة والقابلة للتطوير لدعم التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة.
تُشير التقديرات إلى أن التطورات المستمرة في صناعة بطاريات التدفق قد أدت إلى انخفاض تكاليف المكونات الأساسية، مما يعزز الجدوى الاقتصادية لهذه التقنية للتطبيقات واسعة النطاق. إن دمج هذه البطاريات الكبيرة في شبكات الطاقة الوطنية والإقليمية يعد خطوة حاسمة نحو تحقيق أهداف الطاقة المستدامة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

الخلاصة والتوقعات المستقبلية
يمثل مشروع بطارية التدفق بالأكسدة-الاختزال في سويسرا معيارًا جديدًا في مجال تخزين الطاقة واسع النطاق. إن قدرتها الهائلة، إلى جانب طبيعتها المستدامة وقابليتها لإعادة التدوير، تجعلها حلاً مثاليًا لمواجهة تحديات شبكات الطاقة الحديثة. مع توقعات ببدء تشغيلها في عام 2029، ستكون هذه البطارية لاعبًا رئيسيًا في ضمان إمدادات طاقة مستقرة وموثوقة، ودعم دمج المصادر المتجددة، وتلبية الطلب المتزايد للطاقة في عصر الذكاء الاصطناعي.


