في عالم الغواصات الحديثة، تمثل التقنيات المتطورة دليلاً على تطور عسكري استمر لقرون. لكن قبل عقود طويلة من الغواصات النووية، شهدت البحار غواصات بدائية لعبت دوراً هاماً في التاريخ. من أبرز هذه الغواصات التاريخية كانت "إتش إل هانلي" (H.L. Hunley)، وهي غواصة عسكرية مبكرة استخدمها جيش الكونفدرالية خلال الحرب الأهلية الأمريكية. تُعد هذه الغواصة من أهم القطع الأثرية في تاريخ الغواصات العسكرية، ليس فقط لقدمها، بل لأنها كانت أول غواصة تنجح في إغراق سفينة حربية معادية في القتال.
في السابع عشر من فبراير عام 1864، نجحت غواصة "هانلي" في مهاجمة السفينة الحربية الأمريكية "يو إس إس هاوساتونيك" (USS Housatonic)، حيث اخترقت طوربيد مثبت على ذراع حديدي بدن السفينة، مما أدى إلى غرقها. ومع ذلك، لم تنجُ الغواصة "هانلي" نفسها من هذه العملية، واختفت عن الأنظار لأكثر من 130 عاماً. تم اكتشاف حطامها في عام 1995، وانتشالها من الأعماق في عام 2000. لكن اللغز الحقيقي تمثل في مصير طاقمها المكون من ثمانية بحارة، حيث وُجدت بقاياهم في مواقعهم داخل الغواصة، في مشهد أثار تساؤلات حول الظروف الدقيقة التي أحاطت بنهايتها.
فك رموز غرق "إتش إل هانلي" ومصير طاقمها
بعد مرور 17 عاماً على انتشال الغواصة، تمكن الباحثون أخيراً من حل لغز غرقها ومصير طاقمها. كشفت الدراسات الحديثة أن السلاح الذي استخدمته الغواصة ضد السفينة المعادية كان السبب المباشر في تدميرها، حيث أدى الانفجار الهائل الذي أحدثه الطوربيد في السفينة الهدف إلى موجة ارتجاج عنيفة انتقلت إلى الغواصة، مما تسبب في مقتل طاقمها على الفور قبل أن يتمكنوا من اتخاذ أي رد فعل.
لم يكن اكتشاف غواصة "إتش إل هانلي" وانتشالها بالأمر السهل، فقد استغرق الأمر أكثر من قرن للعثور عليها. لكن الغموض الذي أحاط بنهايتها استمر لمدة عقدين بعد اكتشافها عام 1995 بواسطة الكاتب كلايف كسلر وفريقه. عند اكتشاف الغواصة، كانت بقايا البحارة الثمانية لا تزال في مواقعهم الهادئة داخل المركبة. كان هذا المشهد غريباً، حيث يتوقع أن يبذل أي شخص يواجه غرق غواصة قصارى جهده للنجاة ومحاولة الهروب.
تحقيق علمي لحل اللغز
في عام 2017، نشر فريق من الباحثين المرتبطين بجامعة ديوك نتائج دراستهم في مجلة "PLOS One"، والتي ألقت ضوءاً علمياً على ما حدث. توصل الباحثون إلى أن الغواصة دُمرت بفعل السلاح الذي استخدمته بنفسها. كان الطوربيد عبارة عن شحنة من البارود الأسود بوزن 135 رطلاً، مثبتة على ذراع بطول 16 قدماً ومربوطة بمقدمة الغواصة. أشارت الدراسة إلى أن انفجار الطوربيد وما نتج عنه من موجة موجات صادمة، أدت إلى موجة انفجار ثانوية ارتدت مباشرة عبر الغواصة.
وفقاً لهذه الدراسة، فإن الظروف المحيطة بالانفجار قللت بشكل كبير من فرص نجاة أفراد الطاقم، حيث أشارت التقديرات إلى أن كل بحار كان لديه فرصة بقاء تبلغ 16% فقط. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الدراسة هي إحدى النظريات المطروحة، ولم يتم التحقق منها بشكل مستقل من قبل جهات خارجية. ومع ذلك، لا توجد تفسيرات أخرى مقنعة لهذه الحادثة، وإذا صحت هذه النظرية، فإنها تفسر سبب عدم محاولة أي من أفراد الطاقم الهرب، حيث ربما لقوا حتفهم قبل أن يدركوا خطورة الموقف.
إن قصة "إتش إل هانلي" ليست مجرد فصل من فصول التاريخ البحري، بل هي شهادة على المخاطر والتضحيات التي واجهها رواد الغواصات الأوائل. لقد جسد طاقمها الشجاعة في استخدام تقنية جديدة وغير مضمونة، ودفعت حياتهم الثمن. يظل اكتشاف حطامها وفهم ملابسات نهايتها مثالاً على كيفية مساهمة العلم الحديث في كشف أسرار الماضي، وتقديم رؤى جديدة حول التحديات التقنية والبطولات الإنسانية.