عبر سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، عن خيبة أمله من عدم حماس قطاع واسع من الجمهور تجاه تقنيات الذكاء الاصطناعي. يعكس هذا الموقف إشكالية أعمق خلقتها القيادات التنفيذية في مجال الذكاء الاصطناعي نفسها، وذلك من خلال المبالغة في الترويج لتقنياتها، بالتزامن مع إثارة مخاوف الجمهور بشأن مستقبلهم الاقتصادي في عالم يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي.
خلال مؤتمر صناعي، أعرب ألتمان عن استيائه من بطء انتشار تقنية الذكاء الاصطناعي وتغلغلها في الثقافة والاقتصاد، مشيرًا إلى أن المقاومة كانت أكبر مما توقعه. هذه المخاوف ليست حكرًا على ألتمان؛ فقد نقلت تقارير صحفية عن جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة Nvidia، قوله إن المشككين في الذكاء الاصطناعي “يخيفون الناس من الاستثمار في الذكاء الاصطناعي” الذي يمكن أن يحسّن التقنية. كما أن داريو أموداي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، ينشر بانتظام مقالات تحذر من أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى فقدان نصف وظائف المكاتب البيضاء خلال السنوات الخمس القادمة.
مفهوم "الممكن المجاور" وتأثيره على تبني التقنيات
تبدو قيادات الذكاء الاصطناعي في وضع اللوم على الآخرين، سواء كان الجمهور، السوق، أو النقاد، لكن المشكلة تكمن في مبدأ أساسي لتطور الأسواق يُعرف باسم "الممكن المجاور" (The Adjacent Possible). هذا المبدأ يؤكد أن الابتكارات لا تنتشر حقًا إلا عندما يتوافر عاملان رئيسيان: أولاً، أن تكون التقنية الجديدة موثوقة وتعمل بكفاءة. ثانيًا، أن يفهم الجمهور سبب حاجته لهذه التقنية. مجرد اختراع تقنية مدهشة لا يكفي؛ فإذا فشلت في استقطاب الجمهور، فإن النتيجة قد تكون إما ضعف الطلب (كما حدث مع السجواي) أو رد فعل سلبي (كما حدث مع الطاقة النووية في الثمانينيات).
في حين أن الطلب على الذكاء الاصطناعي ليس ضعيفًا، إلا أنه أقل مما يتوقعه المدافعون عنه. وفي الوقت نفسه، يتصاعد الرفض لهذه التقنية بسبب تداعياتها المحتملة. يرى ستيفن جونسون، في كتابه "من أين تأتي الأفكار الجيدة: التاريخ الطبيعي للابتكار"، أن التقنيات "الممكنة" هي تلك التي تعمل بشكل جيد وتم تبنيها بالفعل من قبل المستهلكين والشركات. أما التقنيات "غير الممكنة بعد" فهي تلك التي لا تزال غير مختبرة، أو غير موثوقة، أو غير مفهومة جيدًا للسوق المستهدف.
تطبيق مفهوم "الممكن المجاور" على الذكاء الاصطناعي
إن "الممكن المجاور" يمثل النطاق الضيق بين هذه المناطق. فالابتكارات التي تغير العالم هي تلك التي تقع ضمن هذا النطاق، حيث تدفع بالحدود وتغير العادات دون أن تكون التقنية معيبة باستمرار أو تسبب شعورًا بعدم الارتياح. عندما يصل الابتكار إلى هذه "المنطقة المثالية"، تكون النتيجة إعجاب المستخدمين وأنماط استهلاك جديدة تخلق حماسًا شعبيًا وتبنيًا سريعًا وواسع النطاق.
خذ على سبيل المثال الطائرات. عندما طار الأخوان رايت لأول مرة في عام 1903، كانت جميع الميكانيكيات والنظريات اللازمة، من محرك الاحتراق الداخلي إلى ديناميكا الهواء، موجودة بالفعل. كان على الأخوين رايت فقط دفع التقنية خطوة إضافية بجمع الأجزاء الصحيحة وإضافة بعض الرؤى الرئيسية من جانبهما. وبحلول ذلك الوقت، كان المخترعون يحاولون الطيران لسنوات، لذا كان الجمهور مستعدًا لتصديق أن آلة يمكنها تحقيق هذا الوعد.
الذكاء الاصطناعي بين "الممكن" و"غير الممكن"
في الوقت الحاضر، تقع السيارات الكهربائية ذات السوق الواسع ضمن منطقة "الممكن". أما السيارات الطائرة في كل موقف سيارات، فتقع ضمن منطقة "غير الممكن بعد". والممكن المجاور، وهو النطاق الذي تحدث عنه ستيفن جونسون، يتطلب توازنًا بين التقدم التكنولوجي وسهولة الفهم والتبني من قبل المستخدم. الأمر أشبه بقيادة سيارة كهربائية؛ فالتقنية متقدمة لكنها مفهومة ومدعومة ببنية تحتية في طور النمو.
وبالمقارنة، فإن الذكاء الاصطناعي، رغم تطوره السريع، يواجه تحديًا في الوصول إلى منطقة "الممكن المجاور" بشكل كامل. فبينما قد يفهم المستخدمون أن الذكاء الاصطناعي أفضل من محركات البحث التقليدية، فإن الحديث عن أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة تقوم بنصف مهامنا أو تزيد إنتاجيتنا بعشرة أضعاف، أو التحذير من البطالة الجماعية، يعتبر قفزة كبيرة جدًا، تحمل في طياتها تهديدًا.
تحليل التأثير
إن استياء قادة الذكاء الاصطناعي من تباطؤ التبني العام هو مؤشر على فجوة بين وتيرة الابتكار التقني وقدرة المجتمع على استيعابه. يكمن الحل في اتباع مبدأ "الممكن المجاور"، والذي يعني التركيز على تطوير منتجات وخدمات تدفع المستخدمين تدريجيًا نحو المستقبل، بدلاً من فرض تغييرات جذرية قد تثير القلق أو المقاومة. يتطلب الأمر من شركات الذكاء الاصطناعي إعادة تقييم استراتيجياتها، وربما تخفيف لهجة "الثورة"، والتركيز على بناء جسور الثقة والفهم مع الجمهور. هذا النهج لن يسرّع فقط من تبني التقنية، بل سيضمن أيضًا أن يكون هذا التبني مستدامًا ومقبولًا اجتماعيًا، ويجنب ردود فعل سلبية قد تؤثر على سياسات التنظيم مستقبلًا.