أطلق أندرو هيل، مساعد وزير المواطنة والشؤون المتعددة الثقافات الأسترالي، تحذيراً بشأن الحاجة الملحة لتعزيز "رأس المال الاجتماعي الجسري" الذي يربط نسيج المجتمع الأسترالي المتنوع، مؤكداً أن إهمال هذه الجوانب قد يؤدي إلى مزيد من التشرذم والانقسام.
وفي خطاب ألقاه مؤخراً، استعرض هيل التحديات التي تواجه مفهوم التعددية الثقافية في أستراليا، وطرح اقتراحاً مستلهماً من تجربة سنغافورة، يهدف إلى ضمان اختلاط الأطفال الذين يتلقون تعليمهم في مدارس دينية أو يتعلمون في المنزل مع مجموعات تتجاوز نطاقهم الديني خلال سنوات دراستهم. ويُتوقع أن تتولى حكومات الولايات والسلطات المحلية مسؤولية تنفيذ هذا المقترح، الذي يركز على إشراك الأطفال في أنشطة رياضية واجتماعية وثقافية مشتركة.
تعزيز رأس المال الاجتماعي الجسري في المجتمعات المتنوعة
يشدد هيل على أن حقوق المواطنين الأستراليين في التعبير عن تراثهم الثقافي وهوياتهم ليست مطلقة، بل تأتي مصحوبة بواجبات والتزامات أساسية. تشمل هذه الالتزامات، وفقاً لهيل، "الالتزام المشترك والموحد بأستراليا أولاً وقبل كل شيء"، و"قبول الهياكل والمبادئ الأساسية للمجتمع الأسترالي، بما في ذلك الدستور، والتسامح، والديمقراطية البرلمانية، والمساواة، واعتبار اللغة الإنجليزية اللغة الوطنية"، بالإضافة إلى "احترام حق الآخرين في التعبير عن آرائهم وقيمهم".
ووجه هيل رسالة قوية إلى يسار تيار السياسة، مؤكداً على ضرورة أن يتذكر التقدميون، بتركيزهم الغريزي على القيم والحقوق، أن "هناك حدوداً للتعبير الثقافي، وعليهم أن يناصروا الواجبات التي تأتي مع كونك مواطناً أسترالياً".
تحديات الاندماج وضرورة الاستماع للمخاوف
رفض هيل فكرة أن معظم المهاجرين لا يندمجون، مؤكداً أنهم "يندمجون بشكل ساحق". ومع ذلك، حذر من "فخ التقدميين" الذي يتمثل في "الفشل في الاعتراف بأن المخاوف حقيقية، وعدم التصرف عند ظهور قضايا جوهرية". وأشار إلى أن العديد من الأشخاص "الشرفاء" قد حضروا "مسيرات من أجل أستراليا" احتجاجاً على مستوى الهجرة، أو قد يصوتون لأحزاب محافظة، وأن هؤلاء الأشخاص "يستحقون أن يُستمع إليهم، بدلاً من رفضهم، فالمخاوف الاقتصادية للأشخاص "الغاضبين" أو القلقين بشأن الاندماج هي مخاوف حقيقية".
كما دعا هيل "التقدميين" إلى عدم الخوف من "التنديد بالممارسات الثقافية غير المقبولة أو التعبيرات التي تخترق المبادئ الأساسية للتعددية الثقافية الأسترالية الحديثة". وأوضح أن هذه الممارسات تشمل، على سبيل المثال، "الفصل بين الجنسين المحافظ ثقافياً بشكل متطرف في جيوب من المجتمعات الوافدة حديثاً، والزواج القسري"، مؤكداً أن هذه "ليست قضايا دينية، بل قضايا ثقافية تتعارض مع القيم الأسترالية". وشدد على أن "للمرأة الحق في المشاركة بحرية وأن تكون مرئية ومسموعة في كل جزء من المجتمع الأسترالي".
مواجهة الممارسات الضارة وتعزيز الاحترام المتبادل
وانتقد هيل بشدة "إساءة معاملة الأطفال المثليين في بعض المدارس من قبل بعض المهاجرين الوافدين حديثاً من بلدان وفئات دينية متعددة"، واصفاً إياها بأنها "غير مقبولة على الإطلاق". وأكد أن "المواطنين الكوير (المثليين) لديهم نفس الحقوق التي يتمتع بها أي شخص آخر، ويجب أن يكون الأطفال المثليون أحراراً في أن يكونوا على طبيعتهم دون خوف من الإساءة".
وبعيداً عن هذه الأمثلة المحددة للسلوك غير المقبول، أشار هيل إلى "خطر منهجي يتمثل في أن المجتمعات شديدة التنوع قد تتفكك إلى مجموعات منفصلة". واعتبر أن "التنوع وحده في أستراليا الحديثة ليس ولا يمكن أن يكون هدفاً كافياً. فالتعددية الثقافية الناجحة تعني تقدير الهويات المجتمعية، وبناء جسور بين المجموعات المتنوعة، والاحتفال بالأشياء المشتركة". وأوضح أن "المسافة الاجتماعية، والمعلومات المضللة، والاستقطاب هي التي تخلق نقصاً في التعاطف وتجعل الأفراد عرضة للكراهية والتطرف، وليس التنوع بحد ذاته".
رأس المال الاجتماعي: الرابط والجسور
يميز هيل بين نوعين من رأس المال الاجتماعي: "الترابطي" (Bonding) الذي يوجد داخل المجموعات أو المجتمعات، و"الجسري" (Bridging) الذي يتعلق بالتفكير المتعدد الثقافات. وحذر من أن "الإفراط في التركيز على الهويات المجتمعية يخاطر بتجزئة المجتمع وتقويض الروابط بين الأشخاص والمجموعات، وكذلك الأشياء المشتركة بين الأستراليين".
لذلك، أكد هيل على "الحاجة إلى التفكير النقدي والتركيز المتعمد على البعد العلائقي بين المجموعات في المجتمع الأسترالي – القطاع المتعدد الثقافات – لتعزيز التعاطف والاحترام المتبادل". وأشار إلى أن "في بعض المناطق، المؤسسات والأنظمة تعيق الاتصالات المتعددة الثقافات والتماسك الاجتماعي الأعمق".
المدارس الدينية والتعليم المنزلي: تحدي الاندماج
يطرح هيل تساؤلاً حول "النمو في المدارس القائمة على أساس ديني، والتعليم المنزلي"، مشيراً إلى أنه "من الممكن بشكل متزايد أن ينمو الفرد في أستراليا من مرحلة التحضيرية حتى الصف الثاني عشر دون الاختلاط الحقيقي خارج نطاق دينه أو حتى مجموعته العرقية". وأوضح أن نسبة الطلاب الذين يلتحقون بمدارس ذات انتماء ديني قد بلغت حوالي 34% خلال السنوات السبع الماضية، بينما نما التعليم المنزلي بنسبة 116% في نيو ساوث ويلز، و85% في فيكتوريا، و232% في كوينزلاند خلال السنوات الخمس الماضية.
وشدد هيل على أنه لا يعارض المدارس الدينية، ولكنه يرى أنه "يجدر التأمل في الآثار المترتبة على ذلك وما إذا كانت هناك حاجة لاستجابات نظامية لتعزيز رأس المال الجسري"، مستشهداً بنموذج سنغافورة. وأشار إلى أن سنغافورة "تركز بشدة على بناء وتجديد الثقة والتفاهم والتواصل بين الثقافات والأديان المختلفة". ويهدف ذلك إلى "حماية النمو الاقتصادي في مدينة تعاني من نقص العمالة وتعتمد بشكل كبير على القوى العاملة المهاجرة، ومنع التشرذم الاجتماعي والتوترات بين المجتمعات التي يمكن أن تقوض الاستقرار والتقدم".
وختم هيل بالقول: "ليست كل جوانب نهج سنغافورة ذات صلة بأستراليا بالطبع، لكنها دراسة حالة مثيرة للاهتمام للتفكير فيها". وأضاف أن "المبادرات المتعددة الثقافات، إذا تم تنفيذها بشكل جيد، ستلقى صدى لدى الأستراليين، ومع مرور الوقت ستعزز تقليل التحيز والاستقطاب الاجتماعي، وتعزيز الاندماج والثقة بين المجتمعات والمؤسسات، وزيادة القدرة على الصمود ضد العنف القائم على الكراهية والمعلومات المضللة".
الخلاصة: التماسك المجتمعي عملية ديناميكية
يذكر هيل أنه في الماضي، كانت معظم المجتمعات متعددة الثقافات أنظمة استبدادية، بينما كانت معظم الديمقراطيات أحادية الثقافة. "لذلك، نحن في حد ذاتنا تجربة حديثة لكيفية جعل الديمقراطية المتنوعة بشكل ملحوظ تعمل. وقد نجحنا بالتأكيد في ذلك. في الواقع، التنوع البشري هو السمة المميزة لأستراليا الحديثة وبلا شك أعظم قوتنا. لكن أستراليا لا يمكن أن تأخذ تماسكنا الاجتماعي أو نجاحنا كأمر مسلم به. فالتعايش ليس حالة نهائية؛ بل هو عملية ديناميكية تتطلب اهتماماً وعملاً واستثمارات مستمرة".