كشف بحث جديد قُدم في مؤتمر "Digestive Disease Week" (DDW) لعام 2026 عن مفارقة مقلقة في عادات الأكل الحديثة، حيث تتضافر عوامل التوتر المزمن مع استهلاك الوجبات الخفيفة في وقت متأخر من الليل لتشكل عبئًا مضاعفًا على الجهاز الهضمي وصحة الأمعاء. لا يقتصر تأثير هذا المزيج السلبي على الوزن فحسب، بل يمتد ليشمل اضطرابًا عميقًا في ميكروبيوم الأمعاء، وهو النظام البيئي الدقيق للكائنات الحية الدقيقة الذي يلعب دورًا حيويًا في صحتنا العامة. تشير النتائج إلى أن توقيت تناول الطعام قد يكون بنفس أهمية نوعية الطعام المستهلك، وأن الساعة البيولوجية الداخلية للجسم تلعب دورًا محوريًا في كيفية معالجتنا للطعام، خاصة في ظل مستويات مرتفعة من التوتر.
الدراسة، التي قادتها الدكتورة هيريكا داديجيري، طبيبة مقيمة في كلية نيويورك الطبية، استخدمت بيانات ضخمة من المسح الوطني لفحص الصحة والتغذية (NHANES) ومشروع الأمعاء الأمريكي (American Gut Project) لتحديد ما أسمته "محور التغذية الزمنية-الإجهاد". هذا المحور يوضح كيف تؤثر مستويات التوتر على أنماط وتوقيت الأكل لدينا، مما يؤدي إلى عواقب وخيمة على وظائف الجهاز الهضمي. إن فهم هذه العلاقة المعقدة بين التوتر، توقيت الوجبات، وصحة الأمعاء، يعد خطوة حاسمة نحو تطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية فعالة.
تأثير التوتر وتوقيت الوجبات على صحة الأمعاء
كشف تحليل بيانات المسح الوطني لفحص الصحة والتغذية (NHANES) عن ارتباط ملحوظ بين ارتفاع مستويات التوتر، عادات الأكل المتأخرة، واضطرابات الأمعاء. فقد وُجد أن الأفراد الذين يعانون من مستويات توتر عالية ويتناولون وجباتهم الخفيفة بعد الساعة التاسعة مساءً كانوا أكثر عرضة بنسبة 39.3% للإصابة باضطرابات في حركة الأمعاء، مثل الإمساك أو الإسهال، مقارنة بـ 23.2% فقط لدى الأفراد ذوي مستويات التوتر المنخفضة والذين يتناولون طعامهم في الأوقات المعتادة. هذا الاكتشاف يسلط الضوء على أن أكثر من 25% من السعرات الحرارية اليومية المستهلكة بعد الساعة التاسعة مساءً، وهي العتبة التي حددها الباحثون لـ "الأكل المتأخر"، تضاعف من خطر الإصابة بمشاكل الأمعاء.
علاوة على ذلك، فإن ارتفاع مستويات الإجهاد الفسيولوجي، المعروف بـ "الحمل التكيفي" (allostatic load)، أظهر بحد ذاته زيادة في خطر الإصابة باضطرابات الأمعاء. ولكن عند اقترانه بتناول الطعام في وقت متأخر من الليل، يصبح التأثير السلبي مضاعفًا، حيث يرفع الخطر إلى ما بين 1.7 إلى 2.5 ضعف. تشير هذه النتائج بقوة إلى أن توقيت الوجبات لا يؤثر فقط على الهضم، بل يغير أيضًا كيفية تأثير التوتر على التواصل بين الدماغ والأمعاء، المعروف بـ "محور الأمعاء-الدماغ".
اضطراب ميكروبيوم الأمعاء بسبب التوتر والأكل المتأخر
لم يقتصر تأثير هذا المزيج الضار على الأعراض الهضمية فحسب، بل امتد ليشمل تغييرات ملموسة في تركيبة ميكروبيوم الأمعاء. فقد لاحظ الباحثون أن الأفراد الذين يعانون من مستويات توتر عالية ويتناولون وجبات خفيفة في وقت متأخر ليلاً أظهروا انخفاضًا ملحوظًا في تنوع الميكروبات المعوية. باستخدام مؤشر "شانون" لقياس التنوع الميكروبي، خلصت الدراسة إلى أن هذه المجموعة من الأفراد كانت في حالة من "عسر الأمعاء" (dysbiosis)، وهو اختلال في التوازن بين الكائنات الحية الدقيقة النافعة والضارة في الأمعاء. وهذا يقدم دليلاً قويًا على أن العادات الحياتية، بما في ذلك التوتر وتوقيت الأكل، يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على صحة الأمعاء.
ووفقًا لميشيل روثنشتاين، أخصائية تغذية وقائية، فإن هذه النتائج ليست مفاجئة، لكنها تؤكد على الأهمية المتزايدة لفهم "محور الأمعاء-الدماغ" وكيفية تأثير التوتر والأكل المتأخر على هذا النظام المعقد. فقد أشارت إلى أن التوتر وحده يزيد من احتمالية اضطرابات الأمعاء بنحو 32%، ولكن عند اقترانه بالأكل المتأخر، يقفز الخطر إلى 1.7 إلى 2.5 ضعف، مما يؤكد الحاجة الملحة إلى التكيف مع الساعة البيولوجية للجسم والوعي بمحور الأمعاء-الدماغ.
هل يعني هذا تجنب الأكل ليلاً تمامًا؟
من المهم التأكيد على أن هذه الدراسة قائمة على الملاحظة، مما يعني أنها قد حددت ارتباطات بين الأكل المتأخر ومشاكل الأمعاء، لكنها لا تثبت علاقة سببية قاطعة. قد تكون هناك عوامل أخرى تلعب دورًا، فربما يدفع التوتر المرتفع أو مشاكل الأمعاء الموجودة مسبقًا الأفراد إلى تناول الطعام في وقت متأخر. بالإضافة إلى ذلك، فإن تعريف "الأكل المتأخر" بكونه بعد الساعة التاسعة مساءً قد لا يأخذ في الاعتبار خصوصية العاملين بنظام المناوبات أو الاختلافات الثقافية في عادات الأكل.
تؤكد روثنشتاين على أن توصيات توقيت الوجبات يجب أن تكون شخصية، تأخذ في الاعتبار جدول كل فرد، بيولوجيته، ونمط حياته. بالنسبة للعاملين بنظام المناوبات، فإن المقياس الأكثر أهمية هو تناول الطعام بالنسبة لدورة النوم والاستيقاظ، وليس التوقيت المحدد على الساعة، لضمان التوافق مع إيقاعهم اليومي. "نهجي لا يتضمن أبدًا قاعدة صارمة 'لا تأكل بعد التاسعة مساءً'، بل يتعلق بضغط نافذة الأكل الإجمالية وتقليل عبء الإجهاد الفسيولوجي، وكلاهما قابل للتنفيذ بغض النظر عن الخلفية الثقافية."
نصائح لتحسين صحة الأمعاء
قدمت الدكتورة داديجيري نصيحة مفادها أن "وجبة خفيفة عرضية لن تؤذيك، ولكن كن مدركًا للتوقيت الذي تأكل فيه عندما تكون بالفعل تحت ضغط.". وأضافت روثنشتاين أن "محاذاة الإيقاع اليومي هي أساس صحتك، وهذا البحث يعزز ذلك. نحتاج إلى التوقف عن النظر إلى هذه العوامل بمعزل عن بعضها البعض. لم يكن الأكل المتأخر وحده أو التوتر وحده هو ما زاد الخطر؛ بل كان المزيج هو ما دفع الخطر إلى أقصى حد."
توصي الدراسة بالحفاظ على روتين وجبات منتظم ومنظم، خاصة خلال فترات التوتر العالي. ويفضل استهلاك غالبية السعرات الحرارية في وقت مبكر من اليوم لدعم وظائف الجهاز الهضمي المثلى. تؤكد روثنشتاين أن "توقيت الوجبات له التأثير السلبي المحتمل الأكبر على صحة الأمعاء"، لأن هذا التوقيت يتبع إيقاعًا يوميًا، وعندما نأكل متأخرًا، فإن ذلك يؤثر على قدرة الجسم على معالجة الطعام بشكل أمثل. ففي وقت متأخر من الليل، تكون الإنزيمات الهضمية، وحركة الأمعاء، وحساسية الأنسولين غير قادرة على العمل بكامل طاقتها، بغض النظر عن نوع الطعام المستهلك.
تتفق كل من داديجيري وروثنشتاين على أهمية الاتساق في توقيت الوجبات. "أحد المبادئ الأساسية الأولى التي أعمل عليها مع العملاء هو اتساق توقيت الوجبات، ومساعدتهم على تنظيم تناولهم للطعام خلال ساعات النهار بما يتماشى مع إيقاعهم اليومي لصحة قلبية وعائية استقلابية مثلى." تختتم روثنشتاين بالتأكيد على أهمية النظر إلى الصورة الكاملة، مع التركيز على كفاية المغذيات، جودة الطعام، توقيت الوجبات، النوم، وعبء الإجهاد، لأن "هذه ليست قضايا منفصلة؛ بل كلها تؤثر على بعضها البعض، ولا يمكنك تحسين جانب واحد مع تجاهل الباقي."