تتزايد المخاوف داخل الأوساط الاقتصادية الأمريكية بشأن التأثيرات السلبية للحرب الدائرة في الشرق الأوسط على الشركات المحلية. وتشير استطلاعات حديثة أجرتها "إس آند بي جلوبال" إلى أن الشركات الأمريكية باتت تنظر بقلق أكبر إلى الأضرار المحتملة التي قد تلحق بالنمو الاقتصادي، وسوق العمل، والتوقعات المستقبلية للأعمال جراء تصاعد التوترات الجيوسياسية والتضخم المصاحب لها. يلقي هذا الوضع بظلاله على ثقة قطاع الأعمال، لا سيما مع استمرار الاضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الإنتاج.
كشفت مؤشرات مديري المشتريات المجمعة لشهر مايو، الصادرة عن "إس آند بي جلوبال"، عن استمرار ضعف النمو للشهر الثاني على التوالي، مما يؤثر على كل من قطاعي التصنيع والخدمات. وبينما ساهمت البناءات الاحترازية للمخزون في زيادة الطلبات الجديدة للسلع، مما رفع تفاؤل المصنعين إلى أعلى مستوياته منذ فبراير 2025، إلا أن تفاؤل قطاع الخدمات انهار مسجلاً أضعف مستوياته منذ أبريل 2025. هذه التباينات تعكس حالة عدم اليقين التي تسود المشهد الاقتصادي.
تداعيات الحرب والتضخم على الاقتصاد الأمريكي
تأثير التوترات الجيوسياسية على النشاط الاقتصادي
يؤكد خبراء الاقتصاد أن المكاسب المستمرة في الطلبات، المدفوعة جزئياً بالمخاوف من زيادات مستقبلية في الأسعار وتأخيرات محتملة في الإمدادات، لن تدوم إلى الأبد. ويشير كريس ويليامسون، كبير الاقتصاديين التجاريين في "إس آند بي جلوبال ماركت إنتليجنس"، إلى أن الأثر الضار للحرب في الشرق الأوسط أصبح يتضح بشكل متزايد. هذه الحرب لا تقتصر تأثيراتها على المنطقة فحسب، بل تمتد لتشمل سلاسل الإمداد العالمية، مما يؤدي إلى اضطرابات وارتفاع في تكاليف الشحن والنقل، وهذا بدوره ينعكس على أسعار المنتجات النهائية في السوق الأمريكية.
تشكل هذه التطورات تحدياً إضافياً للاقتصاد الذي كان يسعى للتعافي من آثار جائحة كوفيد-19. فالتضخم المرتفع، والمتشابك مع الضغوط الجيوسياسية، يهدد بتقويض جهود السيطرة على الأسعار ويضعف القوة الشرائية للمستهلكين. وتعمل الشركات على مواجهة هذه التحديات من خلال تعديل استراتيجياتها، سواء بزيادة أسعار البيع أو بإعادة تقييم مواقع سلاسل الإمداد لديها.
ضغط التضخم ودور السياسة النقدية
في ضوء ضغوط الأسعار المتزايدة الناجمة عن الحرب، أشارت غالبية مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي في اجتماعهم الأخير إلى الحاجة المحتملة لزيادة سعر الفائدة الرئيسي لكبح جماح التضخم والوصول إلى هدفه البالغ 2%. وتؤكد محاضر اجتماعهم في أبريل أن التضخم أصبح يمثل مصدر قلق كبير يؤثر على قرارات السياسة النقدية.
وتعكس توقعات المتداولين في عقود أسعار الفائدة، وفقاً لأداة FedWatch التابعة لـ CME Group، زيادة في احتمالية رفع سعر الفائدة المعياري هذا العام بمقدار ربع نقطة مئوية على الأقل، وهو تحول كبير مقارنة بالتوقعات السابقة التي لم ترَ أي احتمال لزيادة. وتؤكد آنا بولسون، رئيسة بنك فيلادلفيا الفيدرالي، أن هذه التوقعات للسوق تبدو معقولة في ظل الضغوط التضخمية المتزايدة.
وأشارت بولسون إلى أن التوقعات السوقية قد تحولت مؤخراً من احتمال خفض سعر الفائدة هذا العام إلى دمج إمكانية استقرار الأسعار أو حتى تشديدها بشكل متواضع. وتتماشى تحركات السوق الأخيرة استجابة للأخبار الاقتصادية بشكل كبير مع وجهة نظرها، مما يشير إلى أن الأسواق المالية تدرك خطورة الوضع التضخمي.
وقد بلغ مؤشر أسعار المستهلك على أساس سنوي أعلى مستوى له في ثلاث سنوات عند 3.8% الشهر الماضي، مدفوعاً بشكل كبير بارتفاع أسعار الطاقة. فقد قفزت تكلفة الطاقة بنسبة 17.9% خلال العام الماضي، مدعومة بزيادة 28.4% في أسعار البنزين و54.3% في أسعار زيت الوقود، وفقاً لبيانات مكتب إحصاءات العمل.
مستقبل النمو الاقتصادي والتحديات المحتملة
يحذر مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي من أن صدمة الطاقة واستمرار التضخم فوق هدف البنك المركزي البالغ 2% لمدة خمس سنوات، قد يؤدي إلى زعزعة التوقعات بشأن استقرار الأسعار على المدى الطويل. ويشير رئيس بنك ريتشموند الفيدرالي، توم باركين، إلى أن الاقتصاد قد يواجه "بحاراً هائجة" قد تضغط على جوانب العمل والتوظيف، بالإضافة إلى التضخم، أو كليهما. ومع ذلك، يؤكد باركين أن الاحتياطي الفيدرالي مستعد للاستجابة بشكل مناسب لأي تطورات.
يتوقع ويليامسون أن يواجه الاقتصاد صعوبة في النمو بمعدل سنوي يزيد عن 1% خلال الربع الثاني. ويضيف أن هذا المعدل المنخفض للنمو قد لا يستمر، حيث ارتفعت تكاليف الشركات بوتيرة لم تشهد منذ صدمة أسعار الطاقة في عام 2022، ويتم تمرير هذه التكاليف إلى العملاء في شكل أسعار بيع أعلى بشكل حاد. وتشير مقاييس الأسعار في الاستطلاع إلى أن التضخم سيزداد في الوقت الذي يتباطأ فيه الاقتصاد.
Impact Analysis
تحليل التأثيرات الاقتصادية بعيدة المدى
إن استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، مقترناً بارتفاع مستويات التضخم، يشكل تهديداً جدياً للاستقرار الاقتصادي العالمي، مع تركيز خاص على الاقتصاد الأمريكي. يمكن أن تؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى ركود تضخمي، حيث يتباطأ النمو الاقتصادي بينما تظل الأسعار مرتفعة. هذا السيناريو يضع صناع السياسات النقدية في موقف صعب، حيث أن رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم قد يزيد من تباطؤ النمو، بينما قد يؤدي عدم اتخاذ إجراءات إلى تفاقم التضخم وزعزعة استقرار الأسعار.
على صعيد الشركات، يتطلب الوضع الحالي إعادة تقييم شاملة لاستراتيجيات إدارة المخاطر، وتنويع سلاسل الإمداد، وتعزيز القدرة على التكيف مع التقلبات. إن القدرة على استيعاب ارتفاع التكاليف أو تمريرها بفعالية إلى المستهلكين، مع الحفاظ على القدرة التنافسية، ستكون حاسمة للبقاء والازدهار في هذه البيئة الاقتصادية غير المؤكدة. كما أن التوقعات المستقبلية لسوق العمل قد تتأثر سلباً، حيث قد تلجأ الشركات إلى تقليص التوظيف أو تأجيل خطط التوسع استجابة للضغوط الاقتصادية.