أثارت الميزانية التي قدمها وزير المالية الجنوب أفريقي، إينوك غودونغوانا، جدلاً واسعاً، حيث يشيد البعض بالتحسن في المؤشرات الاقتصادية الكلية للدولة، بينما يرى آخرون أن هذه التحسينات لا تعالج الأزمات الاجتماعية العميقة التي تواجه البلاد. وبينما تتجه المؤشرات الاقتصادية نحو الانتعاش، يبقى السؤال الجوهري حول ما إذا كانت هذه المكاسب ستصل إلى الشرائح الأكثر تضرراً في المجتمع.
في هذا السياق، أعرب الاقتصادي البارز داوي رودت عن تفاؤله بشأن الأداء المالي للدولة، مشيراً إلى تحسن كبير في إيرادات الدولة، مما أتاح تخفيضات ضريبية. ويُعد هذا التطور مؤشراً إيجابياً على استقرار الحسابات المالية، ولكنه أكد على الحاجة لمزيد من الجهود لتعزيز النمو الاقتصادي بشكل ملموس. يأتي هذا التفاؤل في الوقت الذي تتزايد فيه التوقعات بنمو اقتصادي حقيقي يصل إلى 1.6% في عام 2026.
أداء إيرادات الدولة والآفاق الاقتصادية
تحسن إيرادات الضرائب وتأثيرها
شهدت إيرادات الضرائب الحكومية تحسناً ملحوظاً، حيث تم رفع تقديرات الإيرادات الإجمالية بمقدار 21.3 مليار راند للفترة 2025/26 مقارنة بتقديرات ميزانية 2025. ويعود هذا التحسن إلى زيادة غير متوقعة في تحصيل ضرائب القيمة المضافة، وضرائب دخل الشركات، وضرائب الأرباح الموزعة. وقد سمح هذا الأداء المالي القوي للحكومة بالتراجع عن زيادة الضرائب المقترحة سابقاً بقيمة 20 مليار راند.
قال وزير المالية، غودونغوانا، في معرض تقديمه للميزانية: "إن الوضع المالي المحسن يمنحنا مساحة كافية لسحب الزيادات الضريبية المقترحة، دون تعريض الاستدامة المالية أو النشاط الاقتصادي للخطر". ويعكس هذا القرار مرونة النظام الضريبي للدولة على الرغم من تباطؤ النمو الاقتصادي خلال السنوات الثلاث الماضية.
توقعات النمو الاقتصادي
على الصعيد المحلي، تشير التوقعات إلى تحسن مستمر في الأداء الاقتصادي، مع تقديرات بنمو اقتصادي حقيقي بنسبة 1.6% في عام 2026، وهو ارتفاع عن نسبة 1.4% المتوقعة لعام 2025. ووفقاً لوزير المالية، فإن هذا التحسن يعكس الاستمرار في تعزيز الأداء الاقتصادي منذ النصف الثاني من عام 2025. وعلى المدى المتوسط، من المتوقع أن يبلغ متوسط النمو 1.8%، ليصل إلى 2% بحلول عام 2028.

ومع ذلك، أعرب غودونغوانا عن قلقه بشأن التحديات المستمرة مثل اختناقات الخدمات اللوجستية، وضعف البنية التحتية العامة، وتفشي مرض الحمى القلاعية مؤخراً، والتي لا تزال تؤثر سلباً على النشاط الاقتصادي وتشكل مخاطر على التوقعات المستقبلية. وأكد الوزير على أن "النمو الشامل والسريع يظل مسارنا الوحيد المستدام للمضي قدماً".
انتقادات للميزانية: غياب العدالة الاجتماعية
تأثير المؤشرات الاقتصادية على الفئات المحتاجة
على النقيض من التفاؤل الرسمي، ترى علياء شيكتي، المسؤولة البارزة في مركز المعلومات والتنمية البديلة (AIDC)، أن المؤشرات الاقتصادية الكلية لا تعكس الواقع الذي يعيشه غالبية السكان. وأوضحت شيكتي أن "الاستقرار" المزعوم يعتمد على تقلبات أسواق السلع الأساسية بدلاً من الاعتماد على محركات نمو اقتصادي حقيقية.
وأضافت شيكتي: "بينما تبدو إجراءات الإعفاء الضريبي وكأنها ترضي النخبة والطبقة الوسطى، فإن الميزانية لا تعالج الأزمات الاجتماعية التي يواجهها 13.6 مليون طالب، و26.5 مليون مستفيد من الإعانات الاجتماعية، و84% من السكان الذين يعانون من صعوبة الحصول على الرعاية الصحية العامة. ويدل ذلك على أن حاملي بطاقات التأمين الطبي يحصلون على استرداد نقدي أكبر من الحكومة مقارنة بمستفيدي إعانات الدخل الطارئ (SRD) الذين يعيشون تحت خط الفقر".
الفجوة بين الإعفاءات الضريبية والإعانات الاجتماعية
أشارت شيكتي إلى أنه في حين تم تعديل الائتمان الضريبي للتأمين الطبي لمواكبة التضخم، فإن مبلغ إعانة الدخل الطارئ (SRD) لا يزال ثابتاً عند 370 راند. وبشكل عام، تشهد الإنفاقات الرئيسية للميزانية، باستثناء الفوائد على الديون، انخفاضاً بنسبة 1%. وأكدت شيكتي أن "حجم الدولة ودورها يتقلصان بمرور الوقت، وأي تحسن في التوقعات الاقتصادية لن يصل إلى الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إلى الدعم".
تؤكد هذه الانتقادات على ضرورة أن تترجم التحسينات الاقتصادية إلى فوائد ملموسة للفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، وأن تعالج الميزانيات الحكومية بشكل فعال الأزمات الاجتماعية المتجذرة، بدلاً من التركيز فقط على المؤشرات الاقتصادية الكلية.
تحليل الأثر
يثير التفاوت في ردود الفعل على الميزانية الجنوب أفريقية تساؤلات حول فعالية السياسات الاقتصادية في تحقيق التنمية الشاملة. بينما تسعى الحكومة لتحقيق الاستقرار المالي وجذب الاستثمارات من خلال تحسين المؤشرات الاقتصادية، يظل التحدي الأكبر هو ضمان وصول فوائد هذا النمو إلى جميع فئات المجتمع، خاصة الأكثر حرماناً. إن معالجة القضايا الاجتماعية الملحة مثل الفقر والبطالة ونقص الخدمات الأساسية تتطلب مقاربة متوازنة تجمع بين الحكمة المالية والعدالة الاجتماعية.