في خطابه أمام المنتدى الاقتصادي الروسي، أحد أبرز الفعاليات الاقتصادية في البلاد، نفى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشدة الادعاءات الغربية بانهيار الاقتصاد الروسي وتراجعه إلى حافة الانهيار بسبب الحرب الدائرة في أوكرانيا. جاءت تصريحات بوتين هذه في الوقت الذي تواجه فيه روسيا عقوبات اقتصادية غربية متزايدة، ورغم التقارير التي تشير إلى تزايد الضغوط على الميزانية الدفاعية الروسية واحتمال اتساع العجز المالي.
وقد وصف بوتين هذه الانتقادات بأنها مجرد "ضوضاء"، مؤكداً أن روسيا تسعى لبناء اقتصاد "سيادي" قادر على الصمود في وجه الضغوط الخارجية. وأشار إلى أن العقوبات الغربية وتجميد الأصول الروسية قد أدت إلى تآكل الثقة في العملات الغربية مثل الدولار واليورو، مما يفتح الباب أمام دول أخرى لتجنب مصير روسيا.
التصريحات الروسية حول الوضع الاقتصادي
اتهام الغرب بزعزعة الاستقرار الاقتصادي العالمي
اتهم الرئيس بوتين صراحةً الدول الغربية بتقويض الاقتصاد العالمي وأنظمته المالية من خلال فرض عقوبات أحادية الجانب. وأوضح أن تجميد الاحتياطيات الروسية لم يضر بروسيا فحسب، بل أثر بشكل لا رجعة فيه على مكانة العملات الدولية، مؤكداً أن أي دولة أخرى قد تجد نفسها محرومة من الوصول إلى أصولها المشروعة بالدولار أو اليورو، وكذلك الأنظمة المالية وأنظمة الدفع الغربية.
وأكد بوتين على أن روسيا ترى في التغيرات العالمية الحالية ليس فقط تهديدات، بل أيضاً فرصاً هائلة، وأنها تسعى للاستفادة منها من خلال العمل السريع والعملي. وأشار إلى أن الديون الحكومية المرتفعة في الدول الغربية قد ساهمت في تقويض الثقة العالمية في مؤسساتهم.
التأكيد على الاستقرار الاقتصادي الكلي والديون المنخفضة
قلل بوتين من شأن التباطؤ الاقتصادي في روسيا، وسعى إلى إبراز استقرارها الماكرو-اقتصادي. وذكر بأن الدين الحكومي لروسيا يمثل جزءًا ضئيلاً مقارنة بالدول الغربية، وأن عجز ميزانيتها أقل بكثير. جاءت هذه التصريحات في الوقت الذي تشير فيه تقارير غربية إلى أن وزارة المالية والبنك المركزي الروسي يتوقعان اتساع عجز الميزانية الحكومية إلى مستوى خطير إذا استمرت الكرملين في معدل الإنفاق الدفاعي الحالي.
وأكد بوتين على الحاجة إلى "بنية مالية عالمية حديثة ومرنة ومسؤولة، خالية من المخاطر والحظر والحواجز." جاء ذلك بينما تظهر تحليلات من معهد دراسة الحرب (ISW) أن القوات الروسية فقدت أراضٍ للشهر الثاني على التوالي، وأن الجيش الأوكراني استعاد سيطرة على مساحة أكبر مقارنة بما فقده في شهر مايو.
الضغوط الاقتصادية المتزايدة والتحديات الداخلية
تحديات الإنفاق الدفاعي واختلاف السياسات
تشير التقارير إلى أن السلطات الروسية تواجه صعوبات في معالجة المالية العامة المستنزفة دون إيجاد حلول جذرية. ووفقاً لعدة مصادر مطلعة على المناقشات، فإن هناك خلافاً بين صناع السياسات؛ حيث يلتزم كبار المسؤولين في وزارة الدفاع وبعض المسؤولين في الكرملين بأهداف بوتين الحربية، ويدافعون عن إبقاء الإنفاق العسكري بمنأى عن التخفيضات.
يرى هؤلاء المسؤولون أن تقليل الإنفاق الدفاعي سيؤدي إلى ضرر كبير للاقتصاد، نظراً لاعتماد عدد كبير من الشركات على العقود العسكرية. وقد طلب بوتين من مسؤولي وزارة المالية تحديد وفورات في مجالات أخرى من الميزانية قبل النظر في تخفيضات الإنفاق الدفاعي.
مخاوف من اتساع عجز الميزانية وزيادة الإنفاق
كشفت مصادر مطلعة أن وزارة الدفاع تطلب تمويلاً إضافياً، وأن الإنفاق الدفاعي قد يحتاج إلى زيادة إضافية هذا العام لتغطية فجوة في الميزانية قد تصل إلى ثلاثة تريليون روبل (حوالي 31 مليار جنيه إسترليني). تشير بعض المصادر إلى أن بوتين قد تم إطلاعه على الضغوط المالية المتزايدة منذ العام الماضي، مما يعني أن الصعوبات الحالية ليست مفاجئة له.
فيما يتعلق بميزانية عام 2026، كان المخططون قد افترضوا في البداية أن الحرب في أوكرانيا قد تقترب من نهايتها. ونتيجة لذلك، بدأت المناقشات حول أولويات الإنفاق، مما يعكس قلقاً متزايداً داخل الحكومة مع تعرض الاقتصاد الروسي لضغوط متزايدة.
التوقعات الاقتصادية المنخفضة وآفاق الركود
تشير التوقعات الأخيرة لوزارة الاقتصاد إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.4% هذا العام، بانخفاض عن التقدير السابق البالغ 1.3%. جاء هذا التدهور في التوقعات بعد أن طالب بوتين في أبريل بتفسيرات حول أداء الاقتصاد الضعيف، مما يشير إلى استيائه من عدم قدرة المسؤولين على تجنب التباطؤ. وقد وصل العجز في الميزانية الروسية إلى مستوى غير مسبوق على الرغم من الزيادة في عائدات النفط.
تظهر البيانات الرسمية أن العجز خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام بلغ 5.9 تريليون روبل، أي ما يعادل 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يقرب من ضعف الهدف المحدد للحكومة للعام بأكمله. ورغم أن العجز الحالي لا يزال أقل من نسبة 3.8% من الناتج المحلي الإجمالي التي سُجلت خلال جائحة كوفيد-19 في عام 2020، إلا أن الاقتصاد الروسي يعمل حاليًا تحت ضغط أكبر بكثير من العقوبات.