يشهد عالم الأحياء تطورات مذهلة في كيفية تكيف الكائنات الحية مع بيئاتها، ويُعد فقدان البصر تطوراً حدث عدة مرات عبر مملكة الحيوان. الكائنات التي تعيش في الظلام الدامس تفقد حاجتها للرؤية، ومع مرور الوقت، تتحول أعضاؤها البصرية إلى هياكل أثرية، وهي عملية تُعرف بالتطور التراجعي. في غياب الضوء، تصبح العيون التي ورثتها الكائنات عن أسلافها زائدة عن الحاجة.
تقدم أسماك التترا المكسيكية (Astyanax mexicanus) رؤى قيمة حول آلية فقدان البصر. فبينما تمتلك المجموعات التي تعيش في المياه السطحية عيوناً سليمة وعاملة، فإن المجموعات المقيمة في النظم البيئية الكهفية تعاني من انخفاض شديد في حجم أعضائها البصرية، مما يجعلها عمياء بشكل فعال. وقد تم تحديد حوالي 35 مجموعة من أسماك التترا المكسيكية العمياء، وكلها مشتقة من مجموعات سطحية تكيفت مع الظلام الحالك للحياة في الكهوف.
التعايش بين المرئي وغير المرئي: ظاهرة في كهف كامبالو مورو
كشفت دراسة نُشرت في أبريل 2026 على منصة bioRxiv عن نظام بيئي جديد وفريد، حيث تتعايش أسماك التترا المكسيكية التي تمتلك عيوناً مع تلك التي فقدتها. تركز الباحثون على مجموعة من أسماك التترا في كهف كامبالو مورو، أحد الكهوف التي تخترق جبال سييرا دي غواتيمالا في ولاية تاماوليباس بالمكسيك. وقد أدى انهيار للصخور السطحية إلى خلق نافذة تطل على بحيرة جوفية، مما يعرض جزءاً من المياه للضوء بينما يبقى الجزء الآخر في الظلام الدامس. هذا الوضع الجغرافي الفريد حفز تطور مجموعتين متميزتين من الأسماك - مجموعة بعيون وأخرى عمياء - وكلاهما يختلف عن المجموعة السلفية التي تعيش على السطح.
تتشابه أسماك التترا التي تمتلك عيوناً مع أقاربها التي تعيش على السطح. وبحسب نيكولاس روهنر، عالم الوراثة التطورية في جامعة مونستر والمؤلف المشارك للدراسة، "للوهلة الأولى، لن يتمكن المرء من تمييز الفرق. ومع ذلك، من الناحية الفسيولوجية والسلوكية، هي أقرب إلى أسماك الكهوف، وهو ما هي عليه بالفعل من الناحية الجينية".
آليات التكيف وفقدان البصر
عندما انهارت الصخور السطحية، انجرفت أسماك سطحية إلى داخل الكهف في مرحلة ما. حدث تزاوج بين هذه الأسماك والكائنات المقيمة في الكهوف، مما أدى إلى ظهور مجموعة هجينة. الأسماك التي احتفظت بعيونها، وهي سمة ورثتها عن والديها السطحيين، تفضل الضوء ويمكنها الرؤية بوضوح. أما الأسماك الأخرى، فتبقى في الظل، وهي عمياء بسعادة.
يقول روهنر: "أسماك التترا ذات العيون في هذا الكهف لا تزال عدوانية ومتعصبة لأراضيها. وبسبب امتلاكها للعيون، فهي أفضل في الدفاع عن مناطقها مقارنة بالأسماك العمياء، وهذا أحد الأسباب التي تمنع اندماجها الكامل".
فهم الأسس الجينية لفقدان البصر
استخدم الباحثون هذه المجموعة الفريدة لدراسة تطور فقدان البصر في الأنواع ككل. يوضح روهنر: "حقيقة أنها ناتجة عن حدث تهجين طويل الأمد تسمح لنا برسم خرائط للمناطق في الجينوم المسؤولة عن امتلاكها للعيون، لأن إعادة التركيب الجيني قد عكفت جينومات أسماك السطح والكهوف على مدى أجيال عديدة".
حدد الباحثون جيناً يُدعى cx50، وهو مسؤول عن ترميز بروتين العدسة. أدى تعطيل هذا الجين في الاختبارات المعملية التي أُجريت على أسماك السطح إلى عيوب في العين. وتؤدي الطفرات في هذا الجين نفسه إلى أمراض العين لدى البشر، كما أدت إلى تطور عيون منخفضة في الثدييات تحت الأرض أيضاً.
تحليل الأثر
تسلط هذه الدراسة الضوء على مرونة التطور وقدرته على إحداث تغييرات جذرية في الكائنات الحية استجابة للضغوط البيئية. إن اكتشاف الجينات المسؤولة عن فقدان البصر، مثل cx50، لا يوسع فهمنا لكيفية تطور العمى في الطبيعة فحسب، بل قد يفتح آفاقاً جديدة لفهم وعلاج أمراض العيون لدى البشر. كما أن وجود مجموعتين مختلفتين من نفس النوع تتعايشان في بيئة واحدة، إحداهما متكيفة مع الضوء والأخرى مع الظلام، يوفر نموذجاً فريداً لدراسة ديناميكيات التكيف والتطور.