في إنجاز فلكي بارز، اكتشف علماء فلك باستخدام تلسكوب ميركات (MeerKAT) في جنوب أفريقيا شعاع ليزر ميكروويف قوي ينبعث من أعماق الكون البعيدة. هذا الانبعاث عالي الطاقة، المعروف باسم "مازر" (maser) أو بشكل غير رسمي "ليزر فضائي"، يتولد نتيجة تصادم مجرتين. وفي ورقتهم البحثية الجديدة التي تم قبولها للنشر في دورية "Monthly Notices of the Royal Astronomical Society"، وصف الفلكيون هذا الاكتشاف بأنه أقوى ظاهرة من نوعها تم رصدها على الإطلاق، مما يفتح آفاقاً جديدة لفهم الظواهر الكونية المتطرفة.
تم اكتشاف الإشارة، التي تقع على بعد حوالي 8 مليارات سنة ضوئية في مجرة تسمى H1429-0028، وقد تم تضخيمها بشكل لافت عبر ظاهرة "عدسة الجاذبية". تحدث هذه الظاهرة عندما تقوم جاذبية مجرة أخرى تقع بين الأرض ومصدر الإشارة بتشويه الضوء القادم من الخلف، مما يعمل كعدسة مكبرة عملاقة. هذا التضخيم سمح برصد إشارة شديدة الضعف في الأصل، ولكنها في الواقع ذات طاقة هائلة، مما يدل على ديناميكيات كونية لا تزال تدهش العلماء.
أقوى "جيجاميزر" في الكون المرصود
آلية توليد "المازر" الكوني
تعتمد المازرات، على غرار الليزرات، على تركيز حزم الضوء ضمن نفس التردد. في سياق علم الفلك، يمكن أن تنشأ هذه الانبعاثات من سحب غبار كوني تتعرض للإثارة إلى حالة طاقة أعلى بفعل الضوء المنبعث من مصادر أخرى، مثل النجوم أو الثقوب السوداء النشطة. عندما تتفاعل الجسيمات مع هذا الضوء، فإنها تطلق فوتونات بترددات محددة. تتسبب هذه الفوتونات بدورها في إثارة جسيمات أخرى لإطلاق المزيد من الفوتونات بنفس الطول الموجي، مما يؤدي إلى تضخيم الإشارة وتكوين شعاع متماسك.
في حالة اندماج المجرات، تضغط سحب الغاز المكونة للمجرات المتصادمة لتشكل نجوماً جديدة. هذه النجوم تولد ضوءاً يمكنه إثارة جزيئات الهيدروكسيل (OH). إذا كانت هذه الانبعاثات قوية بشكل استثنائي، يطلق عليها علماء الفلك اسم "ميغاماזר" (megamaser). ومع ذلك، فإن المازر المكتشف حديثاً شديد القوة لدرجة أن الباحثين يقترحون تصنيفاً أعلى له: "جيجاميزر" (gigamaser)، للدلالة على قوته غير المسبوقة.
دور تلسكوب ميركات وعدسة الجاذبية
لفت تأثير العدسة الجذبوية، بالإضافة إلى السطوع الاستثنائي للإشارة، انتباه علماء الفلك فور قيامهم بمسح المجرة H1429-0028 باستخدام تلسكوب ميركات، الذي يتكون من 64 طبقاً هوائياً مترابطاً. قال روجر دين، الأستاذ المساعد في جامعة بريتوريا وأحد المؤلفين المشاركين في الدراسة، في تصريح لـ "نيو ساينتست": "نظرنا بسرعة إلى تردد 1667 ميجاهرتز، فقط لنرى ما إذا كان قابلاً للاكتشاف، ووجدنا هذه الإشارة الضخمة والصاخبة. لقد كانت قياسية على الفور. كان اكتشافاً بالصدفة".
تُقدر قوة "الجيجاميزر" المكتشف بحوالي "100,000 مرة سطوع نجم عادي، ولكنها تنبعث من مجرة بعيدة، وتركزت في جزء صغير جداً من الطيف الكهرومغناطيسي". هذا التركيز الشديد للطاقة هو ما يميز المازرات عن مصادر الضوء الفلكية الأخرى، ويجعلها أدوات فريدة لدراسة الظروف الكونية.
أهمية الاكتشاف وتوقعات المستقبل
تعتبر الميغاماזרات، ناهيك عن الجيجاماזרات، ظواهر فلكية نادرة. ومع ذلك، نظراً لأن الظروف التي تنتجها محددة للغاية، يمكن لعلماء الفلك استخدامها لاستنتاج الظروف السائدة في الكون البعيد والقديم. مع ترقيات تلسكوب ميركات، يتوقع الباحثون أن يتم اكتشاف المزيد من هذه الظواهر. صرحت المؤلفة الرئيسية، ثاتو ماناميلا، في بيان صحفي: "هذه مجرد البداية. لا نريد اكتشاف نظام واحد فقط، بل نريد العثور على مئات وآلاف الأنظمة"، مشيرة إلى أن فهم هذه الظواهر سيساهم في بناء صورة أوضح لتطور الكون.

يُعد هذا الاكتشاف خطوة هائلة في سعينا لفهم القوى الكونية والظواهر الفيزيائية المتطرفة. إن قدرة البشرية على رصد مثل هذه الإشارات القوية من مسافات شاسعة تعكس التقدم التكنولوجي والعلمي الهائل، وتؤكد على أن الكون لا يزال يحتفظ بالكثير من الأسرار التي تنتظر من يكشفها.
تحليل التأثير
يمثل اكتشاف أقوى "جيجاميزر" في الكون المرصود نقطة تحول في دراسة الظواهر الكونية عالية الطاقة. تتيح هذه الاكتشافات للعلماء ليس فقط قياس خصائص الظواهر نفسها، ولكن أيضاً استخدامها كـ "مسابر" لفهم الظروف الفيزيائية في الكون المبكر، بما في ذلك كثافة المادة، وتوزيعها، وتفاعلاتها. كما أن هذا الاكتشاف يحفز تطوير تقنيات رصد أكثر تطوراً، وقد يؤدي إلى اكتشافات أخرى غير متوقعة.